الجمهور في هذا يقين أصلا . وأعني ههنا بالجمهور كل من لم يعن بالصنائع البرهانية ، وسواء كان حصلت له صنعة الكلام أو لم تحصل له . فإنه ليس في قوة صناعة الكلام الوقوف على هذا القدر من المعرفة ؛ إذ أغنى مراتب صناعة الكلام أن يكون حكمة جدلية لا برهانية . وليس في قوة صناعة الجدل الوقوف على الحق في هذا . ( كم ، 167 ، 9 )
صناعة الخطابة
- قال ( أرسطو ) : إن صناعة الخطابة تناسب صناعة الجدل ، وذلك أن كلتيهما تؤمّان غاية واحدة وهي مخاطبة الغير . إذ كانت هاتان الصناعتان ليس يستعملهما الإنسان بينه وبين نفسه كالحال في صناعة البرهان ، بل إنما يستعملهما مع الغير . وتشتركان بنحو من الأنحاء في موضوع واحد ، إذ كانت كلتاهما تتعاطى النظر في جميع الأشياء ، ويوجد استعمالهما مشتركا للجميع ، أعني أن كل واحد من الناس يستعمل ، بالطبع ، الأقاويل الجدلية والأقاويل الخطبية . وإنما كان ذلك كذلك لأنه ليست واحدة منهما علما من العلوم مفردا بذاته ، وذلك أن العلوم لها موضوعات خاصة ويستعملها أصناف من الناس خاصة . ولكن ، من جهة أن هذين ينظران في جميع الموجودات ، وجميع العلوم تنظر في جميع الموجودات - فقد توجد جميع العلوم مشاركة لهما بنحو ما . وإذا كانت هاتان الصناعتان مشتركتين فقد يجب أن يكون النظر فيهما لصناعة واحدة وهي صناعة المنطق . ( خ ، 3 ، 5 )
- قال ( أرسطو ) : وكل من تكلّم في هذه الصناعة ( الخطابة ) ممن تقدّمنا فلم يتكلّم في شيء يجري من هذه الصناعة مجرى الجزء الضروري والأمر الذي هو أحرى أن يكون صناعيّا ، وتلك هي الأمور التي توقع التصديق الخطبيّ ، وبخاصة المقاييس التي تسمّى في هذه الصناعة " الضمائر " ، وهي عمود التصديق الكائن في هذه الصناعة ، أعني الذي يكون عنها أولا وبالذات . ( خ ، 4 ، 17 )
- كلتا هاتين الصناعتين ( صناعة الخطابة وصناعة الجدل ) هما مهيّأتان بالطبع وعلى السواء للإقناع في كلا المتقابلين ؛ أعني أنه ليس واحدة منها توجد أشدّ استعدادا للإقناع في أحد المتقابلين منها في الآخر ، بل الاستعداد الموجود فيها على الإقناع في المتقابلين هو على السواء . فأما الأشياء الموضوعة لهاتين الصناعتين ، أعني الأشياء التي فيها تقنع وبها تقنع ، فليس استعدادها لقبول الإقناع على السواء ولا جدوى الإقناع فيها على السواء ؛ لكن إذا كانت الأمور التي تقنع فيها صادقة ، كانت الأقاويل الخطبية والجدلية التي تستعمل فيها أفضل وأبلغ .
( خ ، 12 ، 5 )
- ليس عمل هذه الصناعة ( الخطابة ) أن تقنع ولا بدّ ، أعني أنه ليس يتبع فعلها الإقناع ضرورة ، كما يتبع فعل النجّار وجود الكرسي ضرورة إذا لم يكن هناك عائق من خارج ، بل عملها هو أن تعرّف جميع المقنعات في الشيء وتأتي بها في ذلك الشيء وإن لم يقع إقناع . والحال فيها في هذا المعنى كالحال في صناعات كثيرة مثل صناعة الطب ، فإنه ليس فعلها الإبراء ولا بدّ ، بل إنما فعلها أن