- ضروريّ لو وضعنا أن الحسّ الواحد يدرك كثيرا من أنواع التّضادّات أن يكون الجنس الموضوع لتلك الأنواع واحدا بما أنه ضروريّ أن يوجد ما هو عام لتلك الكثرة التي تدرك بذلك الحسّ الواحد ، وإلّا لما كان هناك ما يمكن أن يقال ذلك الحسّ به واحدا لأن حسّا واحدا ليس واحدا إلّا بواسطة معنى واحد ، ولو كانت الأضداد مختلفة في الأجناس لكانت الملكات إذ ذاك مختلفة . ولذا فذلك الذي يتقبّل تضادّ الألوان هو غير متقبّل تضادّ الرّوائح ومتقبّل تضادّ الطعوم إذا ما كانت تلك الأضداد مختلفة في الجنس . ( شكن ، 181 ، 19 )
حسّ وتخيّل
- قال ( أرسطو ) : فأما أن التخيّل ليس هو حسّا فقد تبيّن من هذه الأشياء التي أقولها ( ابن رشد ) . أحدها أن الحسّ لما كان ضربين - إما حسّ بالقوة مثل البصر في الظلمة إذ لم يفعل فعله ، وإما حسّ بالفعل مثل البصر في الضوء - وكان قد يوجد في التخيّل شيء ليس هو واحد من هذين ، أعني الحسّ الذي بالقوة والذي بالفعل ، وهو التخيّل الذي يكون في النوم ، فبيّن أن التخيّل غير الحسّ .
ودليل ثان وهو أن الحسّ إنما يكون أبدا عند حضور المحسوس فأما التخيّل فقد يكون عند غيبة المحسوس . ودليل ثالث وهو أنه لو كان التخيّل هو الحسّ نفسه لقد كان يجب أن يوجد التخيّل في جميع البهائم والحشرات وليس الأمر كذلك ؛ مثل الحيوان الذي لا يتحرّك إلى المحسوسات في غيبتها ، مثل الدود والذباب . ودليل رابع وهو أن الحس صادق دائما فأما التخيّل فأكثره كذب . ودليل خامس وهو أنّا إذا أحسسنا الشيء إحساسا حقيقيّا لم نقل إنا نتخيّله بل إنما نقول ذلك إذا لم نحقّقه بالحس . مثال ذلك أنّا إذا أحسسنا أن هذا إنسان لم نقل إنّا نتخيّل أن هذا إنسان ، بل إنما نقول ذلك إذا لم نتبيّنه جدّا . وأيضا فإنه قد يتخيّل من هو مغمض العين كما قلنا . وأيضا لو كان التخيّل علما وعقلا لقد كان يجب أن نصدّق به دائما لكنا لا نصدّق به دائما ، فقد يجب أن يكون ليس بعلم ولا عقل . وإذا لم يكن علما ولا عقلا فقد بقي أن ننظر هل هو ظن إذ كان الظن قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا ، كالحال في التخيّل . لكن الظن يتبعه التصديق ضرورة وليس لشيء من البهائم التي لها التخيّل تصديق . ولما كان كل ظان مصدّقا وكل مصدّق قانعا وكل قانع ناطقا ، لزم أن يكون كل ظانّ ناطقا ، فلو كان التخيّل ظنّا لقد كان كل متخيّل ناطقا . ( تكن ، 116 ، 8 )
- الحس والتخيّل إنما يدركان المعاني في الهيولى ، وإن لم يقبلاها قبولا هيولانيّا . . .
ولذلك لسنا نقدر أن نتخيّل اللون مجرّدا عن العظم والشكل فضلا عن أن نحسّه ، وبالجملة لسنا نقدر أن نتخيّل المحسوسات مجرّدة من الهيولى ، وإنما ندركها في هيولى وهي الجهة التي بها تشخّصت . ( ن ، 83 ، 19 )
حسّ وعقل
- الاختلاف بين الحسّ والعقل في التحصّل على الكمال النّهائي هو في كون المحرّك في الحسّ خارجيّا وفي العقل داخليّا بما أن الحسّ بالفعل لا يتحرّك إلّا الحركة التي تقال إدراكا بفعل الأشياء الخاصة المحسوسة ،