فعل ذلك لغضب متقدّم كان منه ، فيفعل ذلك لينصف منه ؛ وهذا كأنه راجع إلى دعوى العدل . وإذا اعترف الخصم بأنه ضرر ، ولكن خصمه كان السبب فيه ، فبيّن أن الخصومة حينئذ إنما تكون في أن خصمه كان السبب ، أو لم يكن . وقد تكون الخصومة في : هل يطلق لمن جير عليه أن يجور بقدر ما جير عليه دون أن يرفع ذلك إلى الحاكم ، كما يوجد الاختلاف في ذلك عند الفقهاء في ملّتنا . ( خ ، 322 ، 16 )
تصديقات صناعة الخطابة
- أمّا الأشياء التي تفعل التصديقات في هذه الصناعة ( الخطابة ) : فمنها ما هي صناعية ، وتلك هي التي وجودها لاختيارنا ورويّتنا ونحن الفاعلون لها ؛ ومنها ما هي غير صناعيّة ، وهي التي ليس وجودها لاختيارنا ورويّتنا مثل الشهود والتعذيب والعقود وما أشبه ذلك مما سيذكر بعد . - والأشياء الصناعية التي نحن الفاعلون لها : منها أشياء قد تقدّم غيرنا فصنعها ، مثل الاحتجاج بالأمثال السائرة التي قد وضعت واشتهرت ؛ - ومنها ما نخترعها نحن عند القول في الشيء الذي فيه الإقناع ونستنبطها . فأما التصديقات التي نفعلها نحن ونخترعها فهي ثلاثة أنواعها : أحدها إثبات المتكلّم فضيلة نفسه التي يكون بها أهلا أن يصدّق ، كما قال تعالى حاكيا عن هود :
وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ
( الأعراف : 68 ) . وأن يكون عند التكلم بهيئة في وجهه وأعضائه شأنها أن توقع التصديق بالشيء المتكلّم فيه مثل التؤدة والوقار وغير ذلك . والفضيلة التي شأنها هذا هي التي يعني أرسطو ب " الكيفية " . والهيئة التي شأنها هذا هي التي يعني ب " السّمت " .
وقد يدلّ على أن الفضيلة لها تأثير في التصديق أن الصالحين الفاضلين يصدّقون سريعا دون قول يتكلّفونه في الشيء . وإنما يكون ذلك في الأمور الظاهرة للحسّ التي يزعمون أنهم أحسّوها ، مثل أنه شرب أو قتل . فأما إخبارهم عن الأمور الخفيّة عند الحسّ ، وهي التي يظنّ أنه خفي عنهم ما أحسّوا من ذلك أو وهموا فيه ، إذا كان ذلك الشيء ممكنا أن يهمّ فيه الحسّ ، فليس يصدّقون في الأشياء التي يدعونها في أمثال هذه الأشياء دون أن يستعملوا في تثبيت ذلك الشيء القول . . . وأما الصنف الثاني من التصديقات فهو الصنف الذي يكون بأن يكسب السامع بالقول انفعالا ما يوجب له التصديق بالشيء الذي فيه القول ؛ فإنه ليس تصديقنا بالشيء وإقرارنا به ونحن في حال الفرح أو الحزن تصديقا واحدا ؛ وكذلك إذا كنا في حال السخط على الشيء أو في حال الرضا عنه . . . وأما الصنف الثالث من هذه التصديقات فهو تثبيت الشيء بالكلام المقنع أو ما يظنّ به أنه مقنع ، وذلك في الأمور الجزئية التي تقنع فيها هذه الصناعة .
وإذا كانت التصديقات إنما تكون في هذه الصناعة بهذه الوجوه فهو بيّن أن الذي يقدر أن يقنع الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء إنما هو الذي يكون عالما بثلاثة أشياء : أولها معرفة الأقاويل المقنعة ، وثانيها معرفة الأخلاق والفضائل ، وثالثها معرفة الانفعالات ، وذلك بأن يعرف كل واحد من الانفعالات ما هو ، ومن أيّ شيء يكون ، ومتى يكون ، وكيف يكون . وإذا كان ذلك