والتكاثف يتبعه الغلظ ، ومعنى الرقّة والغلظ هو سهولة انفصال الصورة عن المادة وعسرها . وذلك أن الأجسام الرقيقة سهلة الفساد والأجسام الغليظة ضدّ ذلك . ( آع ، 89 ، 6 )
- أما التكاثف والتخلخل فإنه يقال على وجهين : أحدهما وهو الذي ينطلق عليه هذا الاسم أحقّ ذلك ، على زيادة الكمية في نفسها ونقصانها ، وكما نرى العصير يتحلّل في الدنان المطموسة ، ويصير إلى كمية أعظم حتى أنه ربما شقّ الدنان ، ونرى أيضا الأبخرة تتكاثف في ذاتها فتعود إلى مقدار أصغر مما كانت ، وذلك من غير أن يخرج من المتكاثف شيء أو يزيد في المتخلخل شيء ، والسبب في هذا أن الهواء أعظم مقدارا من الماء والأرض ، فمهما قرب الشيء من طبيعة الهواء كان أعظم مقدارا ، ومتى قرب من طبيعة الماء والأرض كان أصغر مقدارا ، ولذلك كانت الأشياء المتخلخلة هوائية أي حارّة رطبة ، والمتكاثفة باردة يابسة أو باردة رطبة ، ولكون التخلخل يكثر في الشيء الأجزاء الهوائية استعمل في خبازة الخبز التخمير ، ليسهل بذلك هضمه لأن الجوهر الهوائي أسهل انفعالا من جهة ما هو رطب . ( كط ، 240 ، 22 )
تخيّل
- نقول ( ابن رشد ) : إنه من البيّن أنه وإن كان كل ذكر وتذكّر فإنما يكون مع تخيّل ، فإن معنى الذكر غير معنى التخيّل ، وأن فعل هاتين القوتين متباين ، وذلك أن فعل قوة الذكر إنما هو إحضار معنى الشيء بعد فقده والحكم عليه الآن : أنه ذلك المعنى الذي أحسّ وتخيّل . فها هنا إذن أربعة أشياء :
خيال ، ومعنى ذلك الخيال ، وإحضار ذلك المعنى ، والحكم على أنه معنى ذلك الخيال الذي كان للمحسوس المتقدّم . وإحضار الخيال واجب أن يكون لقوة غير القوة التي تدرك المعنى . وهذه القوة توجد بحالتين : إن كان إدراكها متّصلا سمّيت حافظة ، وإن كان منفصلا سمّيت ذاكرة . وأما الحكم على أن هذا المعنى هو لهذا التخيّل فهو في الإنسان للعقل لأنه الحاكم بالإيجاب والسلب ، وهو في الحيوان الذاكر شيء شبيه بالعقل ، لأن هذه القوة تكون في الإنسان بفكر ورويّة ولذلك يتذكّر . وأما في سائر الحيوان فهي طبيعة ، ولذلك يذكر الحيوان ولا يتذكّر .
وليس لهذه القوة في الحيوان اسم ، وهي التي يسمّيها ابن سينا بالوهمية ، وبهذه القوة يفرّ الحيوان بالطبع من المؤذي وإن لم يحسّه بعد ، كما يفرّ كثير من بغاث الطير من الجوارح وإن لم تبصرها قط . ( ح ، 209 ، 16 )
- إنه يظهر أن الإحساس ليس هو العقل والفهم . وذلك أن الحس موجود في جميع الحيوان ، ومعروف أن العقل ليس يوجد في كله ، بل في يسير منه . وأيضا فإن الأشياء الكلية والجزئية متضادّة ونجد العقل صدقه في أحد هذين الضدّين أكثريّا وهي الكليات ، وخطأه في الضدّ الآخر أكثريّا وهو الجزئيات ، وأما الحسّ فالأمر فيه بالضدّ ، أعني أن صدقه في الجزئيات أكثري وخطأه في الكليات أكثري . والقوة المميّزة قد يمكن أن تكذب وليس هي موجودة في شيء من