محض هو الذي أفاد الموجودات الترتيب والنظام الموجود في أفعالها . وعلموا من هذا كله أن عقله ذاته هو عقله الموجودات كلها ، وأن مثل هذا الموجود ليس ما يعقل من ذاته هو غير ما يعقل من غيره كالحال في العقل الإنساني ، وأنه لا يصحّ فيه التقسيم المتقدّم .
( ته ، 245 ، 10 )
نظام وترتيب الموجودات
- لما قايسوا ( الفلاسفة ) بين هذه العقول المفارقة وبين العقل الإنساني رأوا أن هذه العقول أشرف من العقل الإنساني وإن كانت تشترك مع العقل الإنساني في أن معقولاتها هي صور الموجودات ، وأن صورة واحد واحد منها هو ما يدركه من صور الموجودات ونظامها . لكن الفرق بينهما أن صور الموجودات هي علّة للعقل الإنساني ، إذا كان يستكمل بها على جهة ما يستكمل الشيء الموجود بصورته ، وأما تلك فمعقولاتها هي العلّة في صور الموجودات ، وذلك أن النظام والترتيب في الموجودات إنما هو شيء تابع ولازم للترتيب الذي في تلك العقول المفارقة ، وأما الترتيب الذي في العقل الذي فينا فإنما هو تابع لما يدركه من ترتيب الموجودات ونظامها ، ولذلك كان ناقصا جدّا لأن كثيرا من الترتيب والنظام الذي في الموجودات لا يدركه العقل الذي فينا . ( ته ، 130 ، 28 )
- المبادئ المفارقة ترجع إلى مبدأ واحد مفارق هو السبب في جميعها ، وأن الصور التي في هذا المبدأ والنظام والترتيب الذي فيه هو أفضل الوجودات التي للصور والنظام والترتيب الذي في جميع الموجودات ، وأن هذا النظام والترتيب هو السبب في سائر النظامات والترتيبات التي فيما دونه ، وأن العقول تتفاضل في ذلك بحسب حالها منه في القرب والبعد . ( ته ، 131 ، 19 )
- إذا لم يكن ههنا نظام ولا ترتيب لم يكن ههنا دلالة على أن لهذه الموجودات فاعلا مريدا عالما ؛ لأن الترتيب والنظام وبناء المسبّبات على الأسباب هو الذي يدلّ على أنها صدرت عن علم وحكمة . ( كم ، 202 ، 19 )
- لا فاعل إلّا اللّه هو مفهوم يشهد له الحس والعقل والشرع . أما الحس والعقل فإنه يرى أن ههنا أشياء تتولّد عنها أشياء ، وأن النظام الجاري في الموجودات إنما هو من قبل أمرين : أحدهما ما ركّب اللّه فيها من الطبائع والنفوس . الثاني من قبل ما أحاط بها من الموجودات من خارج . وأشهر هذه هي حركات الأجرام السماوية ؛ فإنه يظهر أن الليل والنهار والشمس والقمر وسائر النجوم مسخّرات لنا ، وأنه لمكان النظام والترتيب الذي جعله الخالق في حركاتها كان وجودنا ووجود ما ههنا محفوظا بها ، حتى أنه لو توهّم ارتفاع واحد منها ، أو توهّم في غير موضعه ، أو على غير قدره ، أو في غير السرعة التي جعلها اللّه فيه ، لبطلت الموجودات التي على وجه الأرض ، وذلك بحسب ما جعل اللّه في طباعها من ذلك وجعل في طباع ما ههنا أن تتأثّر عن تلك .
وذلك ظاهر جدّا في الشمس والقمر ، أعني تأثيرهما فيما ههنا . ( كم ، 229 ، 10 )