الآباء والبنون والسادة والعبيد والنساء والرجال ، فيبطل الناموس ، ويستمرّ ذلك إلى أن تزول منهم الرئاسة من كل شيء .
وبالجملة ، فلا يفضل بينهم شيء سوى الحرية المطلقة ( - الفوضى ) ، وأن يكون الرجل متحكما عندما يريد وكيف ما يريد .
فبالضرورة يعظم عندهم طريان ذلك النوع الشرير من الزنابير ، كما يكثر في الأجسام السقيمة نشوء الأخلاط ، أعني الصفراء والسوداء ، إلى أن تتحوّل هذه المدينة بمثل هذا الصنف الطارئ عليها إلى التسلّط بالضرورة . ولذلك ينبغي لأصحاب السياسة أن يحذروا من أن يطرأ مثل هذا الصنف في المدن ، أكثر من حذر الطبيب من طريان الأخلاط على الأجسام . وإذا أحسّوا بطريان شيء منهم في المدن استأصلوهم من أصولهم ورموا بهم خارج المدينة ، كما يفعل الطبيب بالمرارة والبلغم . لكن صاحب السياسة أولى بفعل ذلك . ( ضس ، 192 ، 5 )
مدن الشهوة
- أما مدن الشهوة ، فهي التي يكون قصد أصحابها في اجتماعهم هو الوصول إلى اللذات الحسّية من مأكل ومشرب ومنكح وغير ذلك . وكذلك مدن الضرورة فهي التي قصد أصحابها في اجتماعهم الحصول على ما هو ضروري وما يحصل به ما هو ضروري ، وهو الفلاحة والقنص واللصوصية .
ولكن الفلاحة هي أكثرها طبيعة عند الإنسان للحصول على الضروري . ( ضس ، 179 ، 7 )
مدن ضرورية وجماعية
- يشبه أن يكون المدن الضرورية من بين المدن الأولى التي تنشأ بالطبع ، ثم تتبعها المدن الجماعية ، ثم تتفرّع منها مدينة مدينة من هذه المدن . ولذلك ينبغي للفلاسفة ، كما قال أفلاطون ، أن يستعدّوا لمثل هذه المدن ، وأن يختاروا منها أفضل الأنواع الموافقة للجماعة الفاضلة حتى ينشئوها فيها . ويكون هذا بمنزلة رجل أراد أن يبني حانوتا يباع فيها كل شيء فيختار أطيب الأشياء . ( ضس ، 190 ، 9 )
مدن كرامية
- أما السياسة الكرامية والمدن الكرامية ، فهي المدن التي يتعاون أهلها على طلب إلى الكرامة وبلوغها . والكرامة في حقيقة أمرها إنما تكون بين شخص وشخص إذا اعتقد أحدهما أن للآخر كمالا ما ، وأنه لا يعصى له أمر . وقد يكون هناك أيضا نوع آخر من الكرامة يسوس دون أن تخضع فيه نفس المكرّم لصاحب الكرامة ، وإنما تكون هذه الكرامة جزاء على كرامة أخرى ، أو من أجل مال أو نفع ( متبادل ) . وهذه الكرامة إنما تكون بالتساوي ، ويدقّقون في طلب ذلك التساوي ما أمكن ذلك ، أعني كرامة السوق .
وأما النوع الأول ، من كرامة التساوي فهو لا يكون بالمفاضلة بين الأشياء التي ينبغي أن تقوم عليها تلك الكرامة . وهذا النوع من الكرامة أولى بأن تقصده المدن الكرامية ، ولذلك فهي تتدرّج فيه تدرّجا إلى أن تصبح شبيهة بالمدينة الفاضلة . إلّا أن الفرق بين الاثنتين هو أن الكرامات في المدينة الفاضلة إنما هي أمر تابع للفضائل ، وللأشياء الملائمة التي هي في الحقيقة ملائمة ، لا على أنها كرامة مقصودة لذاتها ، بل بصفتها