تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف — صفحة 1003

مساهمون:

ص١٠٠٣
الشاعر شيئا يتذكّر به شيء آخر ، مثل أن يرى إنسان خط إنسان فيتذكّره ، فيحزن عليه إن كان ميتا ، أو يتشوّق إليه إن كان حيّا . وهذا موجود في أشعار العرب كثيرا ، مثل قول متمم بن نويرة :
وقالوا : أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت لهم : إن الأسى يبعث الأسى * دعوني ! فهذا كله قبر مالك
. . . وأما النوع الرابع من المحاكاة : فهو أن يذكر أن شخصا ما شبيه بشخص من ذلك النوع بعينه . وهذا الشبه لا يكون إلا في الخلق أو الخلق ، مثل قول القائل : " جاء شبيه يوسف " ، و " لم يأت إلا فلان " . . . والنوع الخامس : هو الذي يستعمله السوفسطائيون من الشعراء ، وهو الغلو الكاذب . وهذا كثير في أشعار العرب والمحدثين ، مثل قول النابغة :
تقد السلوقي المضاعف نسجه * وتوقد بالصفاح نار الحباحب
. . . وهاهنا موضع سادس مشهور يستعمله العرب ، وهو إقامة الجمادات مقام الناطقين في مخاطبتهم ومراجعتهم ، إذ كانت فيها أحوال تدلّ على النطق ، مثل قول الشاعر :
وأجهشت للتوباذ لما رأيته * وكبر للرحمن حين رآني فقلت له : أين الذين عهدتهم * حواليك في أمن وخفض زمان فقال : مضوا واستودعوني بلادهم * ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
( ش ، 112 ، 3 ) - المحاكاة نوعان : محاكاة بالصوت والهيأة والعبارة ، ومحاكاة بالقص والرواية . والشعر عند الأقدمين إنما كان ابتداء ، وفي الأغلب ، محاكاة بالصوت والهيأة . ثم صاروا بعد ذلك إلى المحاكاة بالعبارة بعد أن كانت هذه أخصّ بصناعة الشعر ، لأنهم في العادة كانوا يطابقون العبارة مع جوهر الشيء لا مع ما هو غريب عنه . والشعراء العرب إنما كانوا يستعملون في الأغلب المحاكاة التي هي من النوع الأخير ، أعني المحاكاة التي هي بالعبارة . ( ضس ، 93 ، 3 ) - المحاكاة إذا ما بدأت منذ الطفولة وطال أمدها ، صارت جبلة وطبعا ، وترسّخت في الجسم والنفس . ولذلك قال ( أفلاطون ) : لا ينبغي للعقلاء من الناس أن يحاكوا النساء في سلوكهن عندما يشتدّ عليهن ألم الوضع ، ولا في تصرفاتهن عند مباضعة أزواجهن ، أو عند مشاجرتهن معهم ، عندما يدّعين أنهن أحق بالترؤس ، ولا في عويلهن ونواحهن عندما يبكين ميتا . كما لا يجوز لهم أن يتشبّهوا بالخدم أو العبيد أو يحاكوا السكارى أو المخبولين . ليس هذا فحسب ، بل يجب أيضا أن لا يتركوا يحاكون من يمارس حرفة الدباغة أو الخرازة أو غير هذه من المهن . فكما لا يجوز لهم ممارسة هذه الصنائع فكذلك أيضا لا تجوز لهم محاكاتها ، فبالأحرى أن يجوز لهم محاكاة صهيل الخيل ونهيق الحمير أو خرير الأنهار أو هدير البحار أو قصف الرعد ، لأن محاكي هذه إنما يعمل عمل المجانين . ( ضس ، 94 ، 3 ) - قلت ( ابن رشد ) : وليتجنّبوا ( عقلاء الناس ) الأشعار التي يقوم العرب فيها بوصف هذه الأشياء ، إذ يشبه أن تكون محاكاتهم في ذلك