يكونان في الأشياء التي يكون فيها القياس والاستقراء بإطلاق ، وتلك الأشياء مأخوذة بحال غير الحال التي أخذت بها في القياس والاستقراء . فإذا استعملت تلك الأشياء بالحال التي بيّنت في كتاب " القياس " عاد المثال استقراءا والضمير قياسا . وإذا أخذت بهذه الحال التي ذكرنا عاد الاستقراء مثالا والقياس ضميرا . وتلك الحال هي أخذ القياس ، والاعتبار بمقدّمات قليلة وجيزة ، فإن الإقناع إنما يكون أكثر ذلك بالمقدمات القليلة الوجيزة أو بالمقدّمات التي هي في غاية الظهور ، وحذف ما خفي منها . ( خ ، 22 ، 2 )
- أما المثال فقد بيّنا ( ابن رشد ) فيما تقدّم أنه استقراء ما ، لكن يباين الاستقراء بأنه ليس يصار فيه : لا من الجزئي إلى بيان الأمر الكلّي كما يصار في بعض أنواع الاستقراء ، ولا من الكلّي إلى الجزئي كما قد يصار في بعض أنواع الاستقراء ، وذلك إذا بيّنا بالكلّي الذي أثبتناه بالاستقراء جزئيّا آخر غير الجزئيات التي أثبتنا الكلّي باستقرائها .
ويوافقه في أنه يصير من جزئيّ إلى جزئيّ لاجتماعهما في أمر كلّي ، وذلك إذا جمعنا في الاستقراء الأمرين جميعا ، أعني أن نصير فيه من الجزئي إلى الكلّي ثم من الكلّي إلى جزئي آخر ، فإنّا في هذا الفعل قد صرنا من جزئي إلى جزئي بتوسّط الكلّي - كالحال في المثال : فإن المثال إنما نصير فيه من جزئي إلى جزئيّ لاشتراكهما في أمر كلّي إذا كان الحكم المنقول من أحدهما إلى الآخر موجودا للجزئي الأعرف من أجل ذلك الكلّي ، أو يظنّ به أنه يوجد له من جهته ، وإلّا لم تصحّ النقلة من جزئيّ إلى جزئيّ ، أعني إن لم يكن هنالك كلّي ، وكان وجود ذلك الحكم من أجله للجزء الأعرف . ( خ ، 25 ، 2 )
- نقول ( ابن رشد ) إن الأقاويل الخطبية ، كما سلف ، جنسان : مثال ، وضمير ، وأما الرأي فهو جزء من الضمير . وأكثر ذلك إنما يحتاج إليه في المشوريات ، وسنقول في ذلك .
والمثال كما قيل في هذه الصناعة شبيه بالاستقراء في صناعة الجدل ، والضمير شبيه بالقياس فيها . والمثال في هذه الصناعة نوعان : فأحدهما أن يتمثّل المتكلّم بأمور قد كانت ووجدت مثل قول القائل إنه ينبغي للملك أن لا يغترّ فيميّز النصحاء من حرسه من غير النصحاء ، وإلّا خيف أن يثبوا عليه فيقتلوه ، كما عرض للمتوكّل من بني العباس . - والنوع الثاني أن يكون الخطيب يصنع المثال صنعة ويخترعه اختراعا ؛ وهذا ربما كان مقدّمة ، وربما كان حديثا طويلا .
والحديث الطويل ربما كان معلوم الكذب عند المتكلّم والسامع كالحال في الحكايات الموضوعة في كتاب " دمنة وكليلة " ، وربما لم يكن معلوم الكذب ككثير من الألغاز التي يستعملها أصحاب السياسات . ( خ ، 212 ، 1 )
- المثال هو نوع ما أنواع التغيير ، وذلك أن من التغيير ما يكون إلى المثال والشبيه . وإنما الفرق بينهما أن في التغيير يقام المثال مقام الممثّل به ، وفي التمثيل يؤتى بحروف التشبيه . والمثال بالجملة أعني المخترع أو الموجود ، والتغيير المثالي ينبغي أن يكون أمرا مناسبا للمعنى الذي استعمل بدله ،
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف — صفحة 997
مساهمون: جيرار جهامي
ص٩٩٧