تصديقية ، ولا بخطور معنى حسّي أو خيالي ، لأنّ جميع الارتسامات الإدراكية مستفادة لها من الحسّ ، " ومن فقد حسّا فقد علما " ، فظهر إنّ استعمال النفس للحواس ولقواها الذتية بمجرّد شوقها الذاتي لاستعمال حواسها المدركة وقواها المحرّكة . ومبنى هذه الشبهة - على ما زعمه الجمهور وعامّة المتكلّمين - إن أنحاء الفاعلية لا تخرج عن اثنين : إمّا بالطبع من غير شعور ، وأمّا بالقصد الزائد الإمكاني المتساوي الطرفين وهو مناط فاعلية الباري - جلّ ذكره - عندهم . ثم افترقوا : فذهب المعتزلة منهم إلى أنّ الإرادة المتساوية الطرفين ، لا يترجّح بها أحد طرفي المقدور إلّا بمرجّح زائد هو الداعي ، وهو غير ذاته تعالى عندهم .
فيلزم عليهم كون فاعليّته تعالى يتمّ بغيره وكون غيره مستخدما له ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . وذهبت الأشعرية إلى أن بمجرّد الإرادة مع تساوي نسبتها يترجّح أحد الطرفين من المقدور ، وبذلك سدّ باب إثبات الصانع وغيره ، كما لا يخفى على ذوي الألباب . ( جمك ، 190 ، 19 )
- إنّ للّه تعالى في جلاله وكبريائه ، صفة يفيض بها على الخلق نور رحمته وجوده تكوينا واختراعا ، يعبّر عنها بلفظ ، جلّت عظمة تلك الصفة عن أن يكون مبادئ إشراق نورها مفهومة منه ، هو لفظ " القدرة " . فتجاسرنا مضطرّين لأن نستعير من حضيض عالم الألفاظ واللّافظين ، لملاحظة ذروة جلاك تلك الصفة وعظمتها ، عبارة توهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدّا ، فقلنا : للّه صفة عنها يصدر الخلق وهو الاختراع . ثم الخلق ينقسم تقسيما عقليّا إلى أقسام ، لتنوّع فصول ومبادئ انقسام . استعير لمصدر هذه الأقسام ، ومبدأ هذ التخصيصات من جهة الحكمة ، بمثل هذه الضرورة الواقعة في عالم التخاطب للمتناطقين ، عبارة " المشيّة " . ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة ، المنبعثة من المشيّة ، الناشئة عن الحكمة ، التي هي علمه تعالى بالنظام الأوفق ، وهو عين ذاته ، إلى ما ينساق إلى المنتهى الذي هو غاية حكمتها ، وإلى ما يوقف دون الغاية . واستعير لأحدهما عبارة المحبوب وللآخر عبارة المغضوب عليه ، وهما جميعا داخلان تحت القدرة والمشيّة ، إلّا أن لكل منهما حاجة غير الآخر توهم لفظا " المحبة والكراهة " عند اللغويين المقتنصين حقائق الأشياء من الألفاظ شيئا مجملا ، غير ما فهمه العارفون . ( كصج ، 56 ، 18 )
مشيئة اللّه
- معنى قولنا : إن شاء فعل . . . إنّه إن شاء اللّه تعالى وأحبّ ذاته المقدّسة شاء وأحبّ غيره من مجعولات ذاته . يعني أوجدها وأخرجها ، من كتم العدم إلى نور الوجود وعلى تقدير أن يكون مفعول الفعلين الواقعين في الشرطيّة أمرا واحدا بالذات فلا إشكال أيضا إذ المغايرة بين المشيئة والفعل - المفهومة من طبيعة القضية المشتملة على أدوات الشرط والجزاء ، مما