والملابس الطبيعية أيضا لا تصلح له إلّا بعد صيرورتها صناعية بأعمال إرادية ؛ فلذلك يحتاج إلى تعلّم بعض الصناعات حتى تحسن معيشته ، والشخص الواحد لا يمكنه القيام بمجموع تلك الصناعات بل لابدّ من مشاركة ومعاونة بين جماعة حتى يخبز هذا لذاك ؛ وذاك ينسج لهذا ، وهذا ينقل لذاك ، وذاك يعطيه بإزاء عمله أجرة ؛ فلهذه الأسباب وأمثالها احتاج الإنسان في المعاملات وغيرها أن يكون له قوّة على أن يعلّم الآخر الذي هو شريكه بما في نفسه بعلامة وضعية ، وأصلح الأشياء لذلك هو الصوت لأنّه ينشعب إلى حروف يتركّب منها تراكيب كثيرة من غير مؤونة يلحق البدن ، والصوت من الأمور الضرورية للإنسان لتنفّسه المضطرّ إليه في ترويح حرارة القلب . ( سفع ( 4 / 2 ) ، 78 ، 8 )
مشاكلة الهيولى للصورة
- اعلم أنّ الصورة وإن كانت أقدم ذاتا من الهيولى كما علمت لكن اعتبار الشخصية يوجب تكرّر التعلّق من الجانبين لا على وجه الداير بأن يكون تشخّص الهيولى بنفس ذات الصورة لا بشخصيّتها ، وتشخّص الصورة إنّما هو بالهيولى الشخصية لا بالهيولى بما هي هيولى ، إذ لا تعقل هذيّة الحال بدون هذيّة المحل ، وإلّا لصحّ بقاء الحال مع تبدّل المحل ، بل هذه مشاكلة الهيولى بالنسبة إلى الصورة ، فإن قيل : إذا عدمت الهيولى فتنعدم الصورة فتصدق إنّ كل واحدة منهما يرتفع برفع الأخرى فلا حقية لإحداهما في تقويم الأخرى من الأخرى بعكسه . قلنا : بمعنى أنه لا ترتفع الهيولى إلّا وقد سبقه ارتفاع الصورة ، كما أنّ اليد إذا حرّكت المفتاح فليس عدم حركة المفتاح علّة لبطلان حركة اليد ، بل لا يصحّ أن تبطل حركة المفتاح إلّا وقد بطلت حركة اليد أولا ، وهكذا الحال في جميع العلل والمعلولات . نعم التلازم المتكرّر من الجانبين بين العلّة التامّة ومتمّمها الأخير وبين المعلول في الرفع والوجود إنّما يكون بحسب الزمان لا بحسب الذات ، إذ العلّة متعيّنة رفعا ووجودا بالملزومية والسبق ، والمعلول باللازمية واللحوق ، وإن كانا في درجة واحدة بحسب الزمان انتفاء وتحقّقا ، واللّه أعلم بالصواب . ( شهث ، 92 ، 2 )
مشاهدة قلبية
- أمّا الكشف المعنوي ، المجرّد من صور الحقائق ، الحاصل من تجلّيات الاسم العليم الحكيم ، وهو ظهور المعاني الغيبية والحقائق العينية ، فله أيضا مراتب ، أو لها ظهور المعاني في القوة المفكّرة من غير استعمال المقدّمات وتركيب القياسات ، بل بأن ينتقل الذهن من المطالب إلى مبادئها ، ويسمّى بالحدس ، ثم في القوّة العاقلة المستعملة للمفكّرة ، ويسمّى بالنور القدسي ، والحدس من لوامع أنواره ، فهي أدنى مراتب الكشف ، ثم في مرتبة القلب ويسمّى بالإلهام ، إن كان الظاهر معنى من