يريد أن ينظر إلى صورة تقع وراء ظهره وهو يستعمل مرآتين . فالتي هي أقرب إنّما هي بمنزلة المقدّمة الصغرى ، وتلك الأبعد بمثابة المقدّمة الكبرى ، وذلك المطلوب الذي يرى من النظر إلى هذه المرآة بمنزلة النتيجة . وأيضا لو شاء أن ينظر إلى صورة أخرى ، تقع في الصورة المعاكسة لصورة تلك النتيجة ، فإنّه يحتاج أيضا إلى عدّة مرايا أخرى . هكذا فإنّ لمرآة النفس الإنسانية في طريق المطلوب الحقيقي مهاو وحفر وانحناءات لولبية ، لا تتأتّى ملاحظتها للإنسان في بدء الأمر إلّا عن طريق ترتيب المقدّمات التي هي في الحقيقة مرايا روحانية . . . وهذا معنى سير سالكي سبيل الحقيقة ، لأنّ السالك ينتقل نظره في كل لحظة من مرآة إلى مرآة إلى أن يدرك المقصد الحقيقي ويضع القدم في وادي القدس ، ويصل إلى سمع وعيه نداء :
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
( طه : 12 ) .
بعدئذ تتعطّل كل المرايا ، وتخلع النعلان الكبرى والصغرى ، وتحدث المكالمة الحقيقية من غير واسطة . ( رسص ، 156 ، 12 )
مراتب الإيمان
- إنّ مراتب الإيمان متفاوتة : المؤمنون فيه على ثلاث مراتب لكونهم ثلاث طوائف :
عوام المؤمنين وخواصهم ، وخواص خواصهم . فالعوام يخرجهم اللّه من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً
وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
( محمد : 17 ) . والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية لقوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
( الرعد : 28 ) ومعرفه واطمئنان القلب بالذكر والمعرفة لم يكن إلّا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية ، وإلّا فمن صفته الاطمئنان بالحياة الدنيا وشهواتها ، كقوله تعالى :
وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
( يونس : 7 ) . . . وخواص الخواص يخرجهم من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلى صفة " القديم " لهم ليبقيهم به ، كقوله تعالى :
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا
( الكهف : 13 ، 14 ) الآية - نسبهم إلى الفتوّة لما خطروا بأرواحهم في طلب الحقّ وآمنوا باللّه وكفروا بطاغوت دقيانوس . ( تفسق ( 5 ) ، 239 ، 4 )
- إنّ مراتب الإيمان ثلاث : مرتبة العوام ، ومرتبة الخواص وهم المحبّون ، ومرتبة الأخصّين وهم المحبوبون . ولكل من هذه المراتب الثلاث علم وعمل : فمرتبة العوام : أمّا من جهة العلم فهي أن يؤمن بكلّ ما جاء به النبي صلى اللّه عليه وآله على سبيل التسليم والطمأنينة القلبية إيمانا بالغيب . وأمّا من جهة العمل فبأن يفعل الحسنات ويترك المعاصي والسيّئات طلبا لجزيل الثواب وتخلّصا عن أليم العقاب .
وأمّا مرتبة الخواص : من حيث العلم فهي