- المحبّة كسائر الوجدانيات ظاهرة الإنّية ، خفيّة الماهيّة . ومن اعتاد أن يتصوّر حقائق الأشياء ، بتعريفها موصلة إليها من الحكماء ، لا يجد من نفسه مجال أن لا يتكلّم في تعريف الأمور الذوقية والوجدانية ، وإن لم يكن ما ذكره من المعاني الحدّية أو الرسمية ، لغلبة تحقيق الحقائق على نفسه ، وتنبيه الطالب وإعلامه عن عقله وحدسه . فعرّفها بعضهم بأنّها ابتهاج بتصوّر حضرة الذات ؛ وهذا تعريف بما يلزم المحبّة في بعض الأوقات .
وعرّفها الطبيب بأنّها مرض وسواسي هوائي ، ينبعث عن خلط رديّ سوداوي ؛ وهو إنّما يصلح لو يصلح تعريفا لبعض آحادها ، دون سائر أفرادها . وقال بعض أهل الذوق : إنّ المحبّة صفة سرمدية ، وعناية أزلية . وقال بعضهم : إنّها سرّ اللّه تعالى أودع قلوب الموقنين ، وأفاض على أرواح المؤمنين . والقولان إشارة إلى المحبّة الإلهية المفاضة على خواص عباده بحسب العناية الأزلية . وما سنخ على خاطر هذا الضعيف وانشبح أنّ المحبّة وإن كانت معنى واحدا ومفهوما فاردا ، لكنّها تختلف بحسب موصوفاتها وتفترق من جهة متعلّقاتها ، فترسم لذلك برسوم مختلفة مفترقة وتعاريف متعدّدة غير متّفقة : فأمّا الإلهية فهي عبارة عن حقيقة واجبية وذات إلهية ، إذا تعلّقت بشيء ممّا سواه ، توجب اصطفاءه ، وتقتضي إيثاره إلى غيره ، وإيصاله إلى كمال نفسه وسرّه . وأمّا الكونية فهي وإن تعلّقت بحال من الحالات وكمال من الكمالات ، فهي عبارة عمّا هو مبدأ كمال وباعث لتحصيل حال . وبهذا التعريف يشمل المحبّة كل ما فيه كثرة وتفصيل وقوّة وتكميل . ولهذا حكموا بسريان المحبّة في جميع الموجودات وشمولها القاطبة المهيات . وإن لم تتعلّق بذلك فهي عبارة عن معنى روحاني يفنى المحبّ في محبوبه ، ويفقد الطالب في مطلوبه ، انجذابا إلى مطالعة كماله وابتهاجا بمشاهدة جماله . ولكونها أمرا ذوقيّا روحانيّا ، ومعنى شهوديّا وحدانيّا ، كلّما يكون المدرك ألطف وأجلى ، يكون إدراكه أتمّ وأعلى . فهي بكمالها لا يكون إلّا لأكمل الممكنات ، وسيّد الكائنات ، وهو نبيّنا عليه وآله الصلاة والسلام ، من المفضل المنعام ؛ بل بكمالها وتمامها لا يكون إلّا لمبدع الأشياء والخالق لما يشاء . ولغيره آثار فائضة من بحر جوده ، ورشحات ناله من سحاب وجوده . ( ورق ، 105 ، 4 )
محبة بالتبع
- إنّما يحبّ الأنبياء ، صلاة اللّه وسلامه عليهم ! لكونهم رسل اللّه ، ومن حيث أنهم سفراء من عند محبوبه الحقيقي . ومن أحبّ رسول ملك من حيث هو رسوله ، فإنّما يكون محبوبه بالحقيقة ، في تلك المحبّة ، هو ذلك الملك بالذات ، ويكون محبّة الرسول بالتبع . وإليه أشار بقوله ؛ " ومن أطاعني فقد أطاع اللّه " . كذلك الحال في محبّة الأولياء والعلماء وأهل الإيمان ، فإنّ جميعهم محبوبون للعارف ،