وحيث كانت الوجودات متفاوتة فالسعادات التي هي إدراكاتها تكون متفاضلة أيضا ، وكما أنّ وجود القوى العقلية أشرف من وجود القوى الحيوانية الشهوية والغضبية التي هي نفوس البهائم والسباع وغيرهما من الحيوانات فسعادتها أجلّ ولذّتها وعشقها أتمّ ، فنفوسنا إذا استكملت وقويت وبطلت علاقتها بالبدن ورجعت إلى ذاتها الحقيقة وذات مبدعها تكون لها من البهجة والسعادة ما لا يمكن أن يوصف أو يقاس به اللذّات الحسّية . ( سفع ( 4 / 2 ) ، 121 ، 5 )
ماهيّة الشيء
- إنّ ماهيّة الشيء متأخّرة عن موجوديّتها بمعنى أنّه ما لم يصر موجودا لم يكن ماهيّة من الماهيّات ؛ إذ المعدوم الصرف ليس له ماهيّة أصلا وليس شيئا من الأشياء ، فما لم يكن له نوع تحصّل وتحقّق إمّا ذهنا أو خارجا ، لم يكن ماهيّة من الماهيّات . ( سفع ( 1 / 1 ) ، 315 ، 11 )
- إنّ ماهيّة الشيء وهي عين صورته ومبدأ فصله الأخير حتى لو وجدت الصورة مجرّدة أو وجد الفصل الأخير لكان جميع المعاني الداخلة في ماهيّة ذلك الشيء أو المقوّمة لوجوده حاصلة لتلك الصورة لازمة لذلك الفصل ، فصورة الإنسان مثلا إذا وجدت قائمة بلا مادة لكانت مبدءا للنطق والحياة والإحساس والتغذية والتوليد والتجسّم إلّا أنّها لكماليتها وغنائها عن مزاولة هذه الأفاعيل لا يفعلها كما يفعلها عند النقص والقصور عن درجة التمام .
وكذا الفصل الناطق يلزمه مفهوم الحيوانية وما يتضمّنه . ( سفع ( 1 / 2 ) ، 189 ، 14 )
- إنّ ماهيّة الشيء عبارة عن مفهومها ومعناها ، فمعنى الجسميّة مثلا مفهوم قولنا جوهر قابل للأبعاد ، وله وجود في الخارج ، ووجود في العقل ، فإذا وجدت معنى الجسميّة في العقل يوجد بوجود آخر غير هذا الوجود وذلك الوجود حامل للمفهوم من الجسمية بحيث هو هو فيحمل على تلك الماهيّة إنّها ماهيّة كذا حملا أوليّا ، ولكن لا يصدق على ذلك الوجود العقلي إنّه قابل للأبعاد ، وإنّه قابل للانقسام المقداري ، وكذا السواد ماهيّته عبارة عن مفهوم اللون القابض للبصر ، فإذا وجدت ماهيّته في المادة الجسمية يترتّب عليه أثر الوجود ، وإذا وجدت ماهيّته في العقل يكون لها نحو آخر من الوجود حامل لمفهومها ومعناها ، ومفهوم اللونية والقبض للبصر غير تحقّقهما بالفعل ووجودهما هذا الوجود المكشوف لكل أحد بل وجودا عقليّا لو حضر ذلك الوجود لعاقل أو عنده لأدرك منه معنى اللون القابض للبصر من غير أن يعقل فيه هذا الفعل الخارجي . وبالجملة للأشياء وجودات متفاوتة بالذات والهوية مع كونها واحدة المعنى والماهيّة ، قد ساقنا إلى العلم بتعدّد أنحاء الوجودات إدراكاتنا للحقائق والماهيّات كالإنسان مثلا تارة بنحو الإحساس وتارة بالتخيّل وطورا بالتعقّل ، فعلمنا إنّ لماهيّة واحدة أطورا