في عالم النفوس ، وفي عالم العناصر أكثر وأشدّ ممّا في عالم الأفلاك ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى مادّة مشتركة لا خيريّة فيها إلّا القوّة والاستعداد لقبول الأشياء ، وستعلم أنّها - وإن بلغت إلى نهاية الخسّة والشرّية في ذاتها - لكنها وسيلة لحدوث الخيرات كلها ، وأنّ الوجود بسببها يعود ويرجع إلى الكمال بعد النقص ، وإلى الشرف من الخسّة ، وإلى الصعود من الهبوط ، وهذه المادّة كما أنّها قابلة للصورة قابلة للعدم ، ولا يمكن لها أن يقبل الصور كلها ولا يقبل إعدامها ومقابلاتها . ( سفع ( 3 / 2 ) ، 73 ، 10 )
مادة وصورة
- إنّ المادة في كل شيء أمر مبهم بالقوّة ، والصورة أمر محصّل بالفعل . مثلا مادة السرير هي قطع الخشب لا من حيث أن لها حقيقة خشبية . فإنّها من تلك الحيثيّة ليست مادّة لشيء أصلا بل من حيث أنّها يصلح لأن يكون سريرا أو بابا أو كرسيّا أو غير ذلك . وصورته هي ما به يصير سريرا بالفعل وهي الهيئة المخصوصة بالسرير ، وكذا مادة الخشب هي العناصر لا من حيث كونها أرضا أو ماءا وغيرهما بل من حيث كونها مستعدّة بالإمتزاج لأن يصير جمادا أو نباتا أو حيوانا وهكذا إلى أن ينتهي إلى مادة لا مادة لها أصلا . فلا تحصّل ولا فعليّة لها إلّا كونها جوهرا مستعدّا لأن يصير كل شيء بلا تخصّص لواحد منها دون آخر لعدم كونها إلّا قابلا محضا دفعا للتسلسل . فهي مادة المواد وهيولى الهيوليات . وكونها جوهرا مستعدّا لا يوجب تحصّلها إلّا تحصّل الإبهام .
وكونها مستعدّة لا يوجب فعليتها إلّا فعلية القوة . وبهذا يتحقّق الفرق بينها وبين العدم فإن العدم بما هو عدم لا تحصّل له بوجه حتى تحصل الإبهام . ولا فعليّة له أصلا حتى فعلية القوة لشيء بخلاف الهيولى إذ لها من جملة الأشياء هذا النحو من التحصّل والفعلية لا غير دون غيرها اللهم إلّا من جهتها . ( جوم ، 164 ، 21 )
- لمّا علمت من أنّ المادة في كل شيء هي قوة ذلك الشيء لا غير فالعالم عالم بصورة العالميّة لا بمادتها . والسرير سرير بهيأتها المخصوصة لا بخشبيته . والإنسان إنسان بنفسه المدبّرة لا ببدنه . والموجود موجود بوجوده لا بماهيّته ، فصورة العالم لو كانت مجرّدة لكانت عالما . والهيئة السريرية لو كانت مجرّدة لكانت سريرا وكذا نفس الإنسان حين انقطاعها عن علاقة البدن إنسان . والوجود المجرّد عن الماهيّة موجود كالواجب تعالى ولأجل ذلك قالوا الإنسان إذا أحاط علمه بكيفيّة وجود الأشياء على ما هي عليه يصير عالما معقولا مضاهيّا للعالم الموجود . ( جوم ، 166 ، 15 )
- بالجملة المادة والصورة علّتان قريبتان للمعلول من حيث هما جزآن له فيكون إحداهما علّة صورية والأخرى علّة مادية ، وإذا كانت إحداهما علّة علّة المركّب فليس نحو تقويمها للمركّب هذا النحو بل المادّة