سبيل معرفة اللّه وطاعة الحقّ ، فإذا خاطبه اللّه خطابا بلا حجاب من الخلق بواسطة الملك أو بدونه ، واطّلع على آيات ربّه ، وانطبع في فص نفسه القدسية نقش الملكوت وصورة اللاهوت ، كان ينشبح له مثال من الوحي وحامله إلى الحسّ الباطن ، فيتجذّب قوّة الحسّ الظاهر إلى فوق ، ويتمثّل لها صورة غير منفكّة عن روحها الحقيقي ، لا كصورة الأحلام والخيالات ، فيتمثّل لهذا حقيقة الملك بصورته المحسوسة بحسب ما يحتملها ، فيرى ملكا على غير صورته التي كانت له في عالم الأمر ، بل على صورته الخلقية القدرية ، ويسمع كلامه بعدما كان وحيا ، أو يرى لوحا بيده مكتوبا ، فيكون الموحى إليه يتّصل بالملك بباطنه وروحه ، ويتلقّى منه المعارف الإلهية ، ويشاهد آيات ربّه الكبرى ، ويسمع كلامه الحقيقي العقلي من الملك الذي هو الروح الأعظم ، ثم يتمثّل له الملك بصورة محسوسة ، ويسمع كلامه بصورة أصوات وحروف منظومة مسموعة ، ويشاهد فعله وكتابه بصورة أرقام ونقوش مبصرة ، فيكون كل من الملك وكلامه وكتابه يتأدّى من باطنه إلى مشاعره وقواه المدركة ، وهذه التأدية ليست عبارة عن انتقال الملك الموحى وما يحمله من الوحي إلى الموحى إليه ، بل مرجعها إلى انبعاث نفس النبي صلى اللّه عليه وآله من نشأة الباطن إلى نشأة الظاهر ، بعد سفرها الأول من الشهادة إلى الغيب ، ولهذا يعرض للقوى الحسّية شبه الدهش ، وللموحى إليه شبه الغشى ، ثم يرى ويسمع ، وبذلك يقع الإنباء ، فهذا معنى تنزيل الكلام وإنزال الكتب من ربّ العالمين . ( مفغ ، 35 ، 14 )
كلام اللّه وكتابه
- الفرق بين كلامه تعالى وكتابه ، كالفرق بين البسيط والمركّب كما مرّ . وقد قيل : إنّ الكلام من عالم الأمر ، والكتاب من عالم الخلق ، وأن الكلام إذا تشخّص صار كتابا ، كما أنّ الأمر إذا تشخّص صار فعلا ، كما قال
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
( الطلاق : 12 ) وقوله :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( يس : 82 ) . فالفرق بين الكلام والكتاب بوجه ، كالفرق بين الأمر والفعل ، فالفعل زماني متجدّد كما ستعلم ، والأمر بريء عن التغيّر والتجدّد ، والكلام غير قابل للنسخ والتبديل ، بخلاف الكتاب :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
( الرعد :
39 ) . فصحيفة وجود العالم الفعلي الخلقي هي كتاب اللّه عزّ وجلّ ، وآياته أعيان الموجودات
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
. . .
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ
( يونس : 6 ) . وأمّا كلمات اللّه التامّات ، فهي الهويّات العقليّة النوريّة التي وجودها عين الشعور والإشعار والعلم والإعلام ، وكما أنّ كتاب اللّه مشتمل على الآيات
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ
( الشعراء : 2 ) فكلام اللّه مشتمل على الآيات
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
( البقرة : 252 ) . ( سري ، 16 ، 4 )