( العنكبوت : 49 ) وما يعقلها إلّا العالمون .
والكتاب لكونه من عالم الخلق منزلة الألواح القدرية ، يدركه كل واحد لقوله تعالى :
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً
( الأعراف : 145 ) والكلام لا يمسّه إلّا المطهّرون ، بل هو " قرى ، كريم " وله مرتبة عظيمة في لوح محفوظ " لا يمسّه إلّا المطهّرون ، تنزيل من ربّ العالمين " . فتنزيله هو الكتاب . ( كمش ، 57 ، 14 )
- اعلم أنّ كلامه تعالى ليس كما زعمته الأشاعرة من أنّه معان نفسية ( صفة نفسية قائمة بذاته ) قائمة بذاته تعالى وسمّوها الكلام النفسي ، ولا كما ذهبت إليه المعتزلة من أنّه خلق أصوات وحروف ، دالّة على المعاني في جسم من الأجسام وإلّا لكان كل كلام ، كلام اللّه ؛ بل حقيقة التكلّم إنشاء كلمات تامات وإنزال آيات محكمات وأخر متشابهات في كسوة الألفاظ والعبارات ، والكلام قرآن وهو العقل البسيط والعلم الإجمالي وفرقان وهو المعقولات التفصيلية وهما جميعا غير الكتاب ، لأنّهما من عالم الأمر وعالم القضاء وحاملها اللوح المحفوظ والقلم والكتاب من عالم الخلق والتقدير ومظهره عالم القدر الذهني والقدر العيني والأولان غير قابلين للنسخ والتبديل ، لأنّهما فوق الزمان بخلاف الثالث ؛ لأنّه موجود زماني ومحلّه لوح قدري نفساني هو لوح المحو والإثبات والكتاب ، يدركه كل أحد والقرآن
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
( الواقعة : 79 ) . ( مظه ، 105 ، 8 )
- إنّ للملائكة ذوات حقيقية ، ولها ذوات مضافة إلى ما دونها ، مثل إضافة الروح إلى البدن ، لا لهذا البدن ، بل البدن المحشور في الآخرة ، أمّا ذواتها الحقيقية فإنّها أمرية قولية قضائية ، فأمّا ذواتها الإضافية فهي خلقية كتابية قدرية ، تنشأ منها الملائكة اللوحية ، كإسرافيل وهو أعظمهم ، وينشأ منهم الألواح الكتابية ، وإنّما يلاقي الصفّ الأول من الملائكة الروح القدسية في اليقظة ، فإذا اتّصلت الروح النبوية بعالمهم ، عالم الوحي الإلهي ، والعلم الأعلى الرباني ، يسمع كلام اللّه وهو أعلام الحقائق بالمكالمة الحقيقية في مقام قاب قوسين أو أدنى ، وهو مقام القرب ومقعد الصدق ، والوحي ههنا هو الكلام الحقيقي الرباني كما مرّ ، وكذلك إذا عاشر النبي صلى اللّه عليه وآله الملائكة ، يسمع صريف أقلامهم وإلقاء كلامهم ، وكلامهم كلام اللّه النازل في محال معرفتهم وقلوبهم ، لكونهم في مقام القرب ، كما حكاه النبي صلى اللّه عليه وآله عن نفسه ليلة المعراج ، إنّه بلغ إلى مقام كان يسمع صريف أقلام الملائكة ، ثم إذا نزل إلى ساحة الملكوت السماوي ، ويتمثّل له صورة ما شاهدها في لوح نفسه الواقعة في عالم الأرواح القدرية ، ثم يتعدّى منه الأثر إلى الظاهر ، وحينئذ يقع للحواس الظاهرة شبه دهش ونوم ، لما علمت أن الروح القدسي لضبطه الجانبين ، يستعمل المشاعر الحسّية ، وتشيّعها في