القيامة دقائق صنع اللّه فيها وعجائب حكمته في خلقها والغايات التي خلقت لأجلها وسبقت إليها وبعثت لها . وأمّا الثاني فبعد صيرورتها جوهرا ناطقا أنطقه اللّه الذي أنطق كل شيء ، إذ ما من شيء إلّا وهو ناطق - إمّا بالفعل أو بالقوّة - فتخرج من حدّ القوّة إلى حدّ الفعل بالحركة الاستكمالية المعنوية التي مرّت إليه الإشارة ، كما قال جلّ ذكره :
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
( طه : 50 ) .
( تفسق ( 7 ) ، 426 ، 4 )
- إنّ الكلام على ثلاثة أقسام : أعلى وأوسط وأدنى . فأعلاها ما يكون عين الكلام مقصودا أصليّا ولا يكون بعده مقصود آخر لشرف وجوده وتماميته وكونه غاية لا يكون فوقه غاية . وهذا مثل إبداعه تعالى المبدعات ، وهي عالم الأمر الكائن بأمر " كن " . فالغرض من إنشاء أمر " كن " ليس سوى نفس ذلك الأمر . وأوسطها ما يكون لعين الكلام مقصود آخر ، إلّا أنّه يترتّب عليه على اللزوم من غير تخلّف ، كأمره تعالى للملائكة المدبرين في طبقات السماوات والأرض بما لهم أن يفعلوا ؛
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
( التحريم : 6 ) . وذلك لأن أوامر اللّه تعالى وصلت إليهم أما بلا واسطة أو واسطة أمر آخر بواسطة الخلق وإلّا لأمكن العصيان .
وأدناها ما يكون لعين الكلام مقصود آخر وقد يتخلّف عنه وقد لا يتخلّف ، وفيما لا يتخلّف يمكن أن يتخلّف أيضا إن لم يكن له حافظ عاصم من الخطاء ، وهذا كأوامر اللّه تعالى وخطاباته للمكلّفين من الجنّ والإنس أجمعين بواسطة إنزال وإرسال الرسل وهما مخلوقتان . ففي هذا الخطاب وهذا الأمر بالواسطة يحتمل الطاعة والعصيان ، فمنهم من أطاع ، ومنهم من عصى ؛ ومع عدم الواسطة لا سبيل إلّا الطاعة . فالأعلى من ضروب الكلام والأمر هو الأمر إلّا بداعي والقضاء :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
( الإسراء :
23 ) . والأوسط هو الأمر التكويني والقدر :
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
( الرعد : 8 ) . والأدنى هو الأمر التشريعي :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
( الشورى : 13 ) . وكما علمت هذه الأقسام الثلاثة في الكلام الإلهي ، ففي الإنسان الكامل لكمال نشأته الجامعة للنشآت الثلاث من الأمر والخلق والبرزخ المتوسّط بينهما يوجد أيضا مثل هذه الأقسام ، لكونه مثالا لباريه ، هو مخلوق على صورته وهو على بيّنة من ربه . فأعلى ضروب الكلام له هو ما يكون عند تكلّمه مع اللّه ومخاطبته الروحانية ، وهو تلقّى المعارف الإلهية من لدن حكيم عليم . فتكليم اللّه إياه عبارة عن إفاضة الحقائق الربّانية على ذاته ومقارعته بها سمعه القلبي . وتكلّمه مع اللّه عبارة عن استدعائه الذاتي بلسان القابليّة إيّاها عنه تعالى ؛ وهكذا إذا بلغ درجة العقل البسيط الذي يصوّر النفس بتفاصيل صور المعقولات ، فهو بما صار عقلا بسيطا من شأنه تصوير الحقائق قد صار جوهرا ناطقا بالعلوم الحقّة ، متكلّما بالمعارف الحقيقية