وهو أنّ الإيمان الحقيقي ليس مجرّد القول بالشهادتين ، بل عبارة عن اعتقادات مخصوصة يقينيّة ، وعلوم حقّة برهانية أو كشفية . وقد ثبت أنّ العلم الحاصل للنفس بالبرهان ليس يمكن الزوال عنها . فكلّ من تحلّت نفسه بالإيمان باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل والشهداء فلا يمكن زوال إيمانه على التحقيق . وكذا الكفر الحقيقي عند التحقيق ليس عبارة عن عدم التنطّق بالإيمان أو عدم الاعتقاد فقط ، أو خطور صورة باطلة بالبال مقابلة لأصل من الأصول . بل عبارة عن اعتقاد الشرك مع الرسوخ فيه والجحود لقول الحقّ وقول الرسول صلى اللّه عليه وآله وأئمّة الدين عليهم السلام . وإلّا فمجرّد الجهل البسيط بأصول الإيمان لا يوجب استحقاق العذاب الدائم ، بل يوجبه الجهل المركّب المشفوع بهيئة نفسانية وملكة ظلمانية يتأكّد في النفس سدّا بين يدي القلب ، وغشاوة على البصيرة . فإذا تقرّر ما ذكرناه ظهر لقول أصحاب الموافاة وجه صحيح وصورة علمية يستحسنها ذوق أرباب التحقيق . ( تفسق ( 3 ) ، 74 ، 6 )
كفر الروح
- أمّا كفر الروح فهو شرك خفي أخفى من كل شرك ؛ وهو منبع كل شرك وكفر ومبدأ كل شرّ وآفة ، ألا وهو الإمكان الثابت لجميع لماهيّات الفاشي في كل الموجودات المعلولة ؛ ولهذا قيل : كل ممكن زوج تركيبي . فالممكن الموجود إذا نظرت إلى ماهيّته من حيث هي هي ، حكم العقل عليها بعدم الارتباط والنسبة إلى الواجب تعالى وبجواز طريان العدم والبطلان عليها من تلك الجهة ؛ لأنّها غير مجعولة ؛ وإذا نظرت إلى وجودها الفائض عليها من الحق ، حكم عليها بالوجوب والحقّية ، فكل ما سوى الأول تعالى باطلة بذواتها ، حقّة بغيرها . فهذه الظلمة المستبطنة فاشية في جميع العالم ؛ إلّا أنّها مضمحلّة في المبدعات بسطوع نور الحقّ وإشراق شمس الأحدية ؛ بحيث لم يبق لها عين ولا أثر في نفس الأمر والواقع ؛ بل في حيثية من حيثياته ، والواقع أوسع من تلك الحيثية ؛ والشيء الوجودي إذا تحقّق في مرتبة من الواقع ، فقد تحقّق في الواقع ؛ ولكن تحقّق العدم في المرتبة لا يستلزم تحقّقه في نفس الأمر ، وهذا الإمكان المعبّر عنه بالكفر أمر عدمي ، لأنّ معناه سلب ضرورة الوجود ومقابله . فرفع ضرورة الوجود عن المرتبة لا يوجب رفعه عن الواقع ؛ فهذا الكفر وهذه الظلمة الثابتة للشيء في ظرف التحليل العقلي للموجود إلى الماهيّة والوجود غير ثابت في الواقع للملائكة المهيمين وعباد اللّه المقرّبين ، ولا يحزنهم الفزع الأكبر لانجباره بالإشراق الدائم من نور الأول على ذواتهم ؛ فافهم واغتنم . ( مفغ ، 175 ، 17 )
كفر القلب
- أمّا كفر القلب وهو أنّ السالك إذا انجلت مرآة سرّه بحيث حوذي بها شطر الحقّ ، وتنقّى عن عين قلبه الكدورات النفسانية ، وارتفعت عنها الغشاوات الدنياوية ، فوقع