للحدود الوسطى ، وأمّا الكيف فمن وجوه :
أحدها إنّها أسرع انتقالا من معقول إلى معقول ومن الأوائل إلى الثواني ومن المبادي إلى الغايات . وثانيها إنّها تدرك العقليّات الصرفة من حيث إنيّاتها وهويّاتها لا من حيث مفهوماتها وماهيّاتها العامة ، فإنّ الوصول إلى حقائق تلك المعقولات هي العمدة في الإدراك دون المعارف الكلّية ، وإن كانت هي أيضا وسيلة إلى ذلك الوصول إذا استحكمت ورسخت أصول معانيها في النفس ، ولذلك قيل المعرفة بذر المشاهدة ، وثالثها إنّ سائر النفوس تعيّن المطالب أولا ثم تطلب الحدود الوسطى المنتجة لها ، وأمّا النفس القدسية فيقع الحدّ الوسط لها في الذهن أولا ويتأدّى الذهن منه إلى النتيجة المطلوبة فيكون الشعور بالحدود الوسطى مقدّما على الشعور بالمطالب كما هو عليه الأمر في نفسه في ذوات المبادي اللمّية .
( سفع ( 1 / 3 ) ، 386 ، 10 )
- كما إنّ الشيء الجسماني لا يصير موجودا في العين بمجرّد الجسمية ما لم يصر جسما مخصوصا له طبيعة مخصوصة ، فكذا وجود العقل بالفعل لا يتحصّل بمجرّد المفهوم الأولي العام ، والقضايا الأولية كمفهوم الوجود والشيئية ، وكقولنا الواحد نصف الاثنين والكل أعظم من جزئه . ثم إنّ النفس في هذه المرتبة إن تميّزت عن سائر النفوس بكثرة الأوليات وشدّة الاستعداد وسرعة القبول للأنوار العقلية كفتيلة كبريتية لها سخونة شديدة يكاد أن تشتعل بنفسها كما أشار إليه تعالى
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
( النور : 35 ) سمّيت القوّة القدسية وإلّا فلا ، وإن كان قد حصل لها النظريات فلا يخلو إمّا أن يكون تلك النظريات غير حاضرة ولا مشاهدة بالفعل ولكنها متى شاءت النفس استحضرتها بمجرّد الالتفات وتوجّه الذهن إليها ، أو هي حاضرة بالفعل مشاهدة بالحقيقة ؛ فالنفس في الحالة الأولى تسمّى عقلا بالفعل وفي الثانية عقلا مستفادا ، وفي هذه المرتبة إن شاهد تلك الصور في مبدئها الفيّاض فسمّيت عقلا فعّالا ، والاختلاف المشهور بين الناس في أنّ أسامي العقول هل هي واقعة على النفس في هذه المراتب أو على تلك المراتب أو على المدركات التي فيها ليس فيه كثير فائدة لما علمت أنّ العقل والعاقل والمعقول في كل من هذه المراتب أمر واحد . ( سفع ( 1 / 3 ) ، 420 ، 17 )
- الذكاء وهو شدّة هذا الحدس وكماله وبلوغه وغايته القصوى هو القوّة القدسية التي وقع في وصفها قوله تعالى :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
( النور :
35 ) وذلك لأنّ الذكاء ، هو الإمضاء في الأمور وسرعة القطع بالحق ، وأصله من ذكت النار ، وذكى الذبح ، وشاة مذكاة أي يدرك ذبحها بحدّة السكّين . ( سفع ( 1 / 3 ) ، 516 ، 19 )
- كما أنّ فوق كل ذي علم عليم إلى أعلم العلماء وهو صاحب القوّة القدسية فكذلك تحت كل ذي جهل جهيل إلى أجهل