( تفسق ( 5 ) ، 213 ، 13 )
- اعلم أنّ القضاء والقدر إنّما يوجبان ما يوجبان بتوسّط أسباب وعلل مترتّبة منتظمة ، بعضها فاعلات مقتضيات كالمبادئ العالية من الجواهر العقلية ، وبعضها مدبّرات ومعدّات كالنفوس السماوية والحركات والأوضاع الفلكية والصور واللواحق والأمور الجارية مجرى الأشياء الاتّفاقية - التي هي لزومية من وجه - وغيرها من الإدراكات والإرادات الإنسانية والحركات والسكنات الحيوانية ، وبعضها قوابل واستعدادات ذاتية أو عارضية إيّاها تختصّ بسببها بحال دون حال وصورة دون صورة - ترتيبا وانتظاما متقنا معلوما في القضاء السابق - فاجتماع تلك الأمور من الأسباب والشرائط مع ارتفاع الموانع علّة تامّة يجب عند وجودها ذلك الأمر المدبّر والمقضي المقدّر ، وعند تخلّف واحد منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيّز الامتناع . ومع قطع النظر عن وجود جميع الأسباب وعدمه بقي في حيّز الإمكان . فإذا كان من جملة الأسباب - وخصوصا القريبة منها - وجود هذا الشخص المكلّف الإنساني وإدراكه وعلمه وإرادته وقبوله التكليف بتفكّره وتخيّله الذين يختار بهما أحد طرفي الفعل والترك ، كان ذلك الفعل اختياريّا واجبا وقوعه بجميع تلك الأمور المسمّاة علّة تامّة ممكنا بالنسبة إلى بعض منها ، فوجوبه لا ينافي إمكانه ، ومجبوريته لا ينافي كونه بالاختيار ، كيف وإنّه ما وجب إلّا بعد كونه ممكنا وما جبر عليه إلّا بعد كونه مختارا . ( تفسق ( 6 ) ، 261 ، 8 )
- أمّا كيفية هذا التنزيل ، فنقول في بيانها : إنّ الذات الأحدية بحقيقته الصمدانية ممّا لا سبيل لأحد إلى إدراكه - سواء كان من الملائكة أو من الأناس - وغاية السبيل إليه لأهل الكونين إدراك أفعاله وآثاره ، وكلامه وكتابه عندنا من جملة أفعاله وآثاره - إلّا أنّ أحدهما وهو الكلام من عالم أمره ، بل هو الأمر كلّه ، لقوله تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( يس : 82 ) وأمره منزّه عن التجدّد والتضادّ لقوله :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
( القمر : 50 ) . وثانيهما - وهو الكتاب - من عالم خلقه ، بل هو عالم خلقه لاشتماله على التجدّد والتضادّ لقوله تعالى :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
( الأنعام : 59 ) . ولكلّ منهما منازل ومراتب ، وكل واحدة من مراتب الكلام قضاء وكل واحدة من مراتب الكتاب قدر ، وأعلى مراتب القضاء قضاء محض ليس فوقه قضاء ، وهو الكلام الإلهي المبدع له بالحقيقة . وأدنى مراتب القدر " قدر محض " لا قدر تحته ، وهو الكتاب الكوني الذي فيه كتابة أعمال أهل الشمال . ( تفسق ( 7 ) ، 111 ، 11 )
- القضاء والقدر ، فالقضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات بحقائقها الكلّية والصور العقلية في العالم العقلي ، على الوجه الكلّي لا على سبيل الإبداء وتلك مرتبطة بالحقّ الأول ، موجودة في صقع إلهية لا