قضاء وقدر
- القضاء كما أشير إليه عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة بعد وجودها في العناية الإلهية مجملة ومحلّها القلم . والقدر عبارة عن وجودها التفصيلي في كتاب المحو والإثبات وفي مواد الخارجية الجارية بسواد مداد الهيولى الظلماني ، كما جاء في التنزيل :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
( الأنعام : 59 ) إشارة إلى وجودها على النحو البسيط في العناية الإلهية . وقوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
( الحجر : 21 ) إشارة إلى وجودها في الخزائن العقلية على سبيل الانحفاظ دائما . وقوله :
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
( الحجر : 21 ) إشارة إلى المرتبتين الأخيرتين القدريتين ، فالمتنزّل هو القدر الخارجي ، لكونه آخر التنزّلات ، والمتقدّر المعلوم هو القدر العلمي ، وهو سبب القدر الخارجي ، كما دلّت عليه باء السببية ، فالجواهر العقلية وما معها موجودة في القضاء والقدر مرّة واحدة باعتبارين ، والجواهر الجسمانيّة وما معها موجودة فيهما مرّتين . ( سري ، 49 ، 9 )
- القضاء والقدر إنّما يوجبان ما يوجبان بتوسّط أسباب وعلل بعضها مقدّمات مدبّرات كالملائكة السماوية ، عقلية كانت أو نفسية ، قلمية كانت أو لوحية ، وبعضها فاعلات محرّكات وموجبات مقتضيات كالمبادي العالية من الجواهر الفلكية والصور المنطبعة ، وبعضها قوابل واستعدادات ذاتية وعارضية . والصور اللاحقة المادية والأوضاع الفلكية والأمور الاتّفاقية كالإدراكات والإرادات الإنسانية والحركات والسكنات الحيوانية ، يختصّ بحال دون حال وبصورة دون صورة ترتّبا وانتظاما معلوما في القضاء السابق .
فاجتماع تلك الأسباب والشرائط ، مع ارتفاع الموانع ، سبب تام يجب بها وجود ذلك الأمر المدبّر المقضي المقدور " وعند تخلّف شيء منها أو حصول مانع يبقى في حيّز الإمكان أو الامتناع ، فإذا كان من جملة الأسباب - وخصوصا القريبة - وجود هذا الشخص الإنساني وعلمه وإرادته وقدرته وتشوّقه وتفكّره وتخيّله اللذان هما مختار أحد طرفي الفعل والترك ، كان ذلك الفعل اختياريّا واجبا وقوعه بجميع تلك الأمور التي هي علّة تامة لوجود المقدور ، ممكنا بالنسبة إلى كل واحد منها ، فوجوب الفعل لا ينافي اختياريّته . كيف ! وقد مرّ أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد . ( تفسق ( 1 ) ، 339 ، 13 )
- إن قلت : إذا كان الواقع من المعاصي والشرور بقضاء اللّه وقدره ، فلماذا يعاقب من ساقه القدر إلى اقتراف خطيئة ؟ يقال :
العقوبة من اللوازم والتبعات المتّصلة من غير حاجة إلى معاقب منفصل ومنتقم من خارج ، ويدلّ عليه كثير من الآيات القرآنية كقوله تعالى :
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ
( الأنعام : 139 )
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
( العنكبوت : 54 )
وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( آل عمران : 117 ) .