شيء ، لكن الأشياء في قبول الوجود متفاوتة ، فبعضها لا يقبل الوجود إلّا بعد وجود الآخر ، كالعرض الذي لا يوجد إلّا بعد وجود الجوهر ، كالمركّب الذي لا يوجد إلّا بعد وجود البسيط . فقدرته تعالى في غاية الكمال تفيض الوجود على الممكنات بحسب قابلياتها المتفاوتة .
فبعضها صادر عن قدرته بلا سبب ، وبعضها بسبب أو أسباب . وليس في ذلك لزوم الاحتياج له تعالى في إيجاد ذي الوسط إلى ذلك الوسط حتى يكون ذلك الوسط كالآلة فيمن يفعل شيئا بالآلة ، كفعلنا الكتابة بالقلم والإحساس بالحسّ .
حاشا القيّوم عن ذلك . وكيف يتصوّر ذلك في حق من يصدر عنه السبب المتوسّط وذا السبب جميعا ، فهو مسبّب الأسباب من غير سبب . فاللّه سبحانه يوجد الممكنات على أبلغ النظام وأفضل الوجوه ، فالصادر منه إمّا خير محض كالملائكة ومن والاهم ، وإما ما يكون الغالب فيه الخير على الشرّ ؛ فيكون الخيرات داخلة في قدرة اللّه تعالى بالإصالة ، والشرور اللازمة للخيرات التي من القسم الثاني للخير داخلة فيها بالتبع . ومن ثم قيل : إن اللّه يريد الكفر والمعاصي الصادرة عن العباد ، لكن لا يرضى ، على قياس من لدغت الحيّة أصبعه يختار قطعها بإرادته لكن بتبعية إرادة السلامة للشخص ، ولولاها لم يرد القطع أصلا ، فيقال هو يريد السلامة ويرضى بها ، ويريد القطع ولا يرضى به ، إشارة إلى هذا الفرق الدقيق . وأنت تعلم إن هذا المذهب أصحّ من الأوّلين ، وأسلم من المفاسد ، واصون عند ذوي البصائر النافذة على حقائق المعارف وقواعد العقائد ، فإنه متوسّط بين الجبر والتفويض ، فخير الأمور أوسطها . ( رسخ ، 313 ، 6 )
قدر وتفويض
- اعلم أنّ في لفظة " لعلّ " - وهي من كلمات الترجّي والإمكان - إشارة بليغة إلى أنّ فعل الشكر إنّما يحصل من العبد باختياره ، فإنّ أفعال العباد من جهة نسبتها إلى مبادئها القريبة واقعة باختياره على سبيل الاحتمال والإمكان . ومن جهة نسبتها إلى السبب الأول ومبادئها البعيدة - من قضاء اللّه وقدره وعلمه وقدرته - واقعة من العبد على سبيل البتّ والوجوب .
ففعل العبد من جهة وقوعه باختياره يحكم عليه ب " القدر والتفويض " - أي : بكونه واقعا بقدرتنا ، مفوّضة إلينا - ومن جهة وقوعه بمشيئة اللّه وقضائه وقدره ، والوسائط المترتّبة المستندة - على ترتيبها في سلسلة العلل والمعلولات - إلى اللّه ، يحكم عليه ب " الجبر " كما سبق . فلفظة " لعلّ " كلّما جاءت في القرآن فهي بحسب الاعتبار الأول ، وهو وقوع الأمور من أسبابها القريبة . ( تفسق ( 3 ) ، 383 ، 5 )
- من نظر إلى بعض الأسباب قاصرا نظره إلى القريبة منها ، ورآها مؤثّرة بالاستقلال قال بالقدر والتفويض - أي بكونها واقعة بقدرتنا الاستقلالية مفوّضة إلينا . ولهذا قال صلى اللّه عليه وآله : " القدرية مجوس هذه