القدر في الأفعال من الغوامض التي تحيّرت فيها الأفهام ، واضطربت فيها آراء الأنام ، وليس لنا رخصة في إفشاء سرّها بالكلام ، لكنّنا ننقل مذاهب ذهبت إليها علماء الإسلام ، ثم نشير إلى لمعة يسيرة من طريق أهل اللّه عليهم السلام .
( المذهب الأول ) فنقول : ذهبت جماعة إلى أن اللّه - جلّ جلاله - أوجد العباد وأقدرهم على بعض الأفعال ، وفوّض إليهم الاختيار على وجه الاستقلال ، فهم مستبدّون بإيجادها على وفق مشيّتهم وطبق قدرتهم ، وزعموا أنه أراد منهم الإيمان والطاعة وكره منهم الكفر والمعصية .
قالوا : وعلى هذا يظهر أمور : ( 1 ) منها :
فائدة التكليف بالأوامر والنواهي ، وفائدة الوعد والوعيد . ( 2 ) ومنها : استحقاق الثواب والعقاب . ( 3 ) ومنها : تنزيه اللّه تعالى عن إيجاد القبائح والشرور التي هي أنواع الكفر والمعاصي ، وعن إرادتها .
ولكنهم غفلوا عمّا يلزمهم فيما ذهبوا إليه من إثبات شركاء للّه في الإيجاد حقيقة ؛ ولا شبهة في أنّه أشنع من جعل الأصنام شفعاء عند اللّه . وأيضا يلزمهم أن ما أراد ملك الملوك لا يوجد في ملكه ، وإن ما كرهه يكون موجودا فيه ، وذلك نقصان شنيع في السلطنة والملكوت : تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . ( المذهب الثاني ) وذهبت طائفة أخرى إلى أن لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه المتعالي عن الشريك في الخلق والإيجاد ،
يَفْعَلُ ما يَشاءُ
( آل عمران : 40 ) ، و
يَحْكُمُ ما يُرِيدُ
( المائدة :
1 ) ولا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه ،
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
( الأنبياء : 23 ) ، ولا مجال للعقل في تحسين الأفعال وتقبيحها بالنسبة إليه ، بل يحسن منه كلّ ما يفعل في ملكه ؛ لأنه يفعل في ملكه لا في ملك غيره ؛ وهذه الأسباب التي ارتبط بها وجود الأشياء بحسب الظاهر ليست أسبابا بالحقيقة ولا مدخل لها في الوجود لشيء ، بل إنّما هي أسباب عادية جرت سنّة اللّه وعادته بأن توجد تلك الأسباب ، ثم توجد عقيبها مسبّباتها ، وكلها صادرة منه ابتداء من غير ترتّب بعضها على بعض وتوقّف بعض على بعض . وقالوا : في ذلك تعظيم لقدرة اللّه وتقديس له عن شوائب النقصان في الحاجة إلى غيره . ولا شكّ إن هذا المذهب فيه إبطال للحكمة والترجيح ، وعزل للعقل عن قضاياه على الرأي الصحيح ، وسدّ لإثبات الصانع ، وغلق لأبواب الفكر في الصانع . وأيضا فيما ذكروه تجويز للظلم على الباري ، ووضع الأشياء في غير مواضعها ، حتى أنه يجوز عليه عندهم تعذيب الأنبياء عليهم السلام عقلا ، وتكريم الكفّار في دار القرار ، وأخذ الصاحبة والولد والشريك ، إلى غير ذلك من المفاسد القبيحة التي مبناها على إبطال الحكمة والعقل ، وفي إبطاله إبطال النقل أيضا ، لأن إثبات النقل إنما يكون بالعقل . تعالى الباري القيّوم عمّا يقولون علوّا كبيرا . ( المذهب الثالث ) وذهب آخرون إلى أن اللّه تعالى قادر على كل