يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
( الأحقاف : 11 ) . واعلم إن أوّل الأمر هو الذهاب إلى اللّه ، وإنّما الهدى بعده ، كما مرّ ذكره في قوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام :
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
( الصافات : 99 ) فأوّل الأمر ذهاب إلى اللّه ، ثم ذهاب في اللّه تعالى ، وذلك هو الفناء والاستغراق به ؛ ولكن هذه أوّلا يكون كالبرق الخاطف قلّما يدوم ويثبت ، فإن دام وصار ملكة راسخة وهيئة ثابتة عرج به إلى العالم الأعلى وطالع الوجود الحقيقي للمولى ، وانطبع فيه نقش الملكوت ، وتجلّي لذاته قدس اللاهوت .
( تفسق ( 7 ) ، 274 ، 17 )
فناء العبد
- هذا الدعوى - أي فناء العبد عن نفسه وبقائه بنور الحقّ على ما هو مشهود العارفين بالعيان - ممّا أقيم عليه البرهان ، وهو معلوم من علم النفس وكيفية تطوّراتها في الأطوار واتّحادها في مدارج الاستكمال بالعقل الفعّال ، كما هو مذهب كثير من الحكماء الأقدمين منهم فرفوريوس ، مثاله حال الفراش مع الشمع واشتعاله بشعلة الشمع ، فلمّا بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده ، كما قيل :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا - إلى آخره -
ومثال آخر : الحديدة الحامية بالنار ، حيث إنّها لا يزال تتقرّب وتتشبّه بالنار حتى تزول عنها الهوية الحديدية ، وتصير فانية في هوية النارية ، وتفعل فعلها من الإحراق والإضاءة . فلا تتعجّب من النفس إذا استشرقت بنور اللّه واتّصلت بعالم الربوبية وتخلّقت بأخلاق اللّه ، ففعلت ما فعلت بقدرة اللّه - لا بقدرتها - وسمعت بسمع اللّه ، وبصرت ببصره ، فلها أن يقول : " من رآني فقد رأى الحقّ " ( تفسق ( 3 ) ، 190 ، 11 )
فناء عن الفناء
- لمّا قرع سمعك مراتب الذكر ودرجات الذاكر ونتيجة كل مرتبة وأنّ بعضها فوق بعض فوقية الشرف والذات إلى حيث يصير الذكر والذاكر والمذكور شيئا واحدا ، فاعلم أنّ ذلك إنّما يتصوّر بأن يتمكّن المذكور في القلب تمكّنا شديدا وحصولا مشرقا نوريّا ، بحيث ينمحي الذكر أو يخفى ولا يلتفت القلب إلى الذكر أصلا ولا إلى الذاكر - أي القلب نفسه - بل يستغرق جملته في المذكور .
ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر يكون ذلك حجابا عن المقصود وهويّته بالنسبة إلى الغاية الأصلية ، وذلك بأن يغيب عن نفسه حتى لا يحسّ بشيء من ظواهر جوارحه ولا من العوارض الباطنة فيه ، بل يفنى عن جميع ذلك ويغيب عنه جميع ذلك ذاهبا إلى ربّه أوّلا ، كما قال الخليل - على نبيّنا وعليه السلام - فيما حكى اللّه تعالى عنه :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي
( الصافات : 99 ) ثم ذاهبا فيه كما يومي إليه قوله :
سَيَهْدِينِ
( الصافات :