فعل اختياري
- أوّل علوم النفس : هو علمها بذاتها ، ثم علمها بقوى البدن والآلات والتي هي الحواس الظاهرة والباطنة . وهذان العلمان إنّما هما من العلوم الحضورية الإشراقية ، ثم بعد هذين العلمين ينبعث عن ذات النفس لذاتها استعمال الآلات بدون تصوّر هذا الفعل الذي هو استعمال الآلات والتصديق بفائدته سابقا . فإنّ هذا الاستعمال ليس فعلا اختياريّا بمعنى كونه حاصلا بالقصد والإرادة وإن كانت النفس عالمة به مريدة له ، لأنّ ذلك الفعل إنّما تنبعث عن ذاتها لا عن رويّتها فذاتها بذاتها موجبة لاستعمال الآلات ؛ لا بقصد زائد عليها قائم بها ولا عن طبيعة عديمة الشعور كإحراق النار وتبريد الماء . بل لأنّه لما كانت ذاتها في آن وجودها عالمة بذاتها وعاشقة لها ولفعلها ؛ عشقا ، ناشئا عن الذات لذاتها اضطرّ إلى استعمال الآلات التي لا قدرة لها إلّا عليه . وبهذا التحقيق اندفع ما يتوهّم من أن استعمال الحواس فعل اختياري وحدود كل فعل اختياري مسبوق بتصوّر ذلك الفعل والتصديق بفائدته فوجب أن يحصل قبل استعمال الحواس صور تصوّرية وتصديقية .
وذلك لأنا نقول : إن نسبتي صدور استعمال الآلات وعدمه ليستا متساويتين بالنسبة إلى النفس حتى يلزم احتياجها إلى المرجّح من تصوّر الفعل والتصديق بفائدته قبل الاستعمال ، بل المرجّح المقتضى ذات النفس فينبعث ذلك الاستعمال عن عشق ذاتها وعين الشوق الذاتي لها إلى كمالها الأقصى وإلى التشبّه بما فوقها فلا يكون مسبوقا بتصوّر ذلك الفعل بل صدور ذلك الجزئي عن النفس هو بعينه تصوّرها له وشوقها إليه بلا صورة مستأنفة . ومن هاهنا - يتفطّن اللبيب بأن غاية جميع المحرّكات من القوى العالية والسافلة في تحريكاتها :
هو الواجب تعالى ؛ فيكون غاية بهذا المعنى أيضا . ( جوم ، 139 ، 7 )
- اعلم : أنّ النفس فينا وفي سائر الحيوانات مضطرّة في أفاعيلها وحركاتها لأنّ أفاعيلها وحركاتها تسخيرية كفعل الطبيعة وحركاتها لأنّها لا تتحقّق ولا توجد لا بحسب أغراض ودواع خارجية ، فالنفس منّا كالطبيعة مسخّرة في الأفاعيل والحركات لكن الفرق بينهما أنّ النفس شاعرة بأغراضها ودواعيها ، والطبيعة لا تشعر بالدواعي ، والفعل الاختياري لا يتحقّق ولا يصحّ بالحقيقة إلّا في واجب الوجود وحده . وغيره من المختارين لا يكونون إلّا مضطرّين في صورة المختارين ، فإنّ نفوس الأفلاك تفعل حركاتها من جهة دواع ومعشوقات قاهرة عليها كما ستعلم ، وحركات الأفلاك والكواكب تسخيرية إلّا أنّها ليست بطبيعية . فإنّ الحركات الطبيعية تكون على اللزوم من غير إرادة وشعور ورضى ، وما يلزم شيئا كذلك ليس يلزم نقيضه أيضا في حالة واحدة والمحرّك الفلكي يحرّك من وضع إلى ذلك الوضع بعينه ، فالنفس فيها قاصدة لوضع تتركه بعينه ولهذا بيان واضح سيأتيك في مقامه