ناقص وغاية كل ذي فاقة ، دفعا للدّور والتسلسل . فيكون البارئ تامّا وفوق التمام وكل تام ؛ فهو فوق التمام ، لما عرفت من أنّه ليس شأن ليس فيه شأنه . فكلّ ما سواه مفتقر إليه ؛ والافتقار إليه - تعالى - كأنّه مقوّم ذات غيره ، كما مرّت الإشارة إليه من معنى الإمكان في الوجودات الفاقرة الذّوات . ولو كانت الحوادث تامة القوّة على قبول الإفاضة في هويّاتها ، لكانت موجودة دائما ؛ لكنّها إنّما يتمّ إمكاناتها واستعداداتها للوجود بتغيّرات تعرض لها شيئا بعد شيء ، فيتمّ بها قوّتها على الوجود ؛ فإذا تمّت قوّتها ، وجدت بلا مهلة وتراخ فثبت بما ذكرنا أنّ الفاعل ليس بالذّات سببا للحدوث ، بل للوجود ؛ وظهر صدق قول الحكماء : إنّ علّة الحاجة إلى العلّة هي الإمكان بالمعنى الذي ذكرنا في إمكان الوجودات . ( رسح ، 38 ، 14 )
فاعل الشيء
- إن كانت حال الهيولى في نفسها هي القوة والإبهام ، وبحسب علّتها القريبة التنوّع والتحصّل ، فلك أن تقول بحسب جليّ النظر أنّ تحصّل الشيء بالفاعل القريب تحصّل بأمر خارج عن ذاته ، ولكن يجب أن تتفطّن بأن فاعل الشيء بمنزلة ذات الشيء ، بل هو أقرب منها إلى ذاته .
فالتحصّل بالفاعل ليس تحصّلا بأمر عارضي خارج عن قوام الشيء فإن رجعت وقلت إذا كان محصّل الهيولى أمرا داخلا في قوامها فكيف يكون الهيولى قوة محضة وإبهاما صرفا ؟ قلت لا شكّ عندنا في أن الهيولى ليست أمرا مباينا في الوجود لعلّته القريبة من الصورة وغيرها بحسب نفس الأمر ، إذ لا وجود لها استقلاليّا ، بل الوجود إنّما يكون بالذات للصورة ، والهيولى منها بمنزلة الظل من ذي الظل ، والظل أمر عدمي في الخارج ؛ إلّا أن للعقل أن يتصوّرها شيئا آخر غير الصورة يكون ماهيّتها في نفسها قوّة شيء واستعداد أمر حادث ، كما يتصوّر الظل معنى آخر غير الضوء ماهيّتها عدم النور ونقصانه .
( مبع ، 265 ، 17 )
فاعل طبيعي
- إنّ الفاعل الطبيعي بما هو فاعل طبيعي منغمر في المادة كل الانغمار ، ووجوده في نفسه هو بعينه وجوده في مادّته على نحو الاستغراق والسريان بحيث يكون في كل جزء من المادة جزء منه ، كالصورة النارية أو الأرضية لا كالصورة الفلكية أو الحيوانية ؛ فلو سخّنت الحرارة الفاشية في النار جسما آخر من غير حاجة إلى ملاقاة وتماس إيّاه حتى يصيّر الجسمين كجسم واحد بالاتّصال ، يلزم أن يكون وجودها في نفسها أيضا غير مفتقر إلى لقاء محلّه ؛ واللازم باطل وكذا الملزوم . ( رسم ، 410 ، 8 )
فاعل عام
- الفاعل الخاص ما ينفعل عنه شيء واحد كالنار المحرقة لواحد والعام ما ينفعل عنه كثيرون كالنار المحرقة لكثيرين ، والعام قد