استعمال الحواس صور تصوّرية وتصديقية .
وذلك لأنا نقول : إن نسبتي صدور استعمال الآلات وعدمه ليستا متساويتين بالنسبة إلى النفس حتى يلزم احتياجها إلى المرجّح من تصوّر الفعل والتصديق بفائدته قبل الاستعمال ، بل المرجّح المقتضى ذات النفس فينبعث ذلك الاستعمال عن عشق ذاتها وعين الشوق الذاتي لها إلى كمالها الأقصى وإلى التشبّه بما فوقها فلا يكون مسبوقا بتصوّر ذلك الفعل بل صدور ذلك الجزئي عن النفس هو بعينه تصوّرها له وشوقها إليه بلا صورة مستأنفة . ومن هاهنا - يتفطّن اللبيب بأن غاية جميع المحرّكات من القوى العالية والسافلة في تحريكاتها :
هو الواجب تعالى ؛ فيكون غاية بهذا المعنى أيضا . ( جوم ، 139 ، 1 )
علوم وأحوال وأفعال
- اعلم : أن كل مقام من المقامات الدينية ، وكل فضيلة راسخة من الملكات النفسانية ، كالعلم والشجاعة والصبر والشكر والكرم والحلم وغيرها ، إنما ينتظم من ثلاثة أمور : علوم وأحوال وأفعال . وهذه الأمور الثلاثة إذا قيس بعض منها بالبعض ؛ لاح للناظرين إلى الظواهر ، الساكنين على أوائل العقول ، المتوقّفين في مبادئ الأفكار : أن العلوم تراد للأحوال ، والأحوال تراد للأعمال . فالأعمال هي الأفضل عندهم ، لأنها الغاية الأخيرة .
وأما أصحاب البصائر الثاقبة ، وأرباب الخمائر المنوّرة ، فالأمر عندهم بالعكس مما ذكر ؛ فإن الحركات والأعمال تراد للصفات والأحوال ، وهي تطلب للعلوم والمعارف . فالأفضل العلوم ، ثم الأحوال ، ثم الأعمال ؛ لأن كل مراد لغيره ، فذلك الغير ، لا محالة أفضل منه .
( كصج ، 42 ، 14 )
علّية شيء لشيء
- معنى قولنا : إن شاء فعل . . . إنّه إن شاء اللّه تعالى وأحبّ ذاته المقدّسة شاء وأحبّ غيره من مجعولات ذاته . يعني أوجدها وأخرجها ، من كتم العدم إلى نور الوجود وعلى تقدير أن يكون مفعول الفعلين الواقعين في الشرطيّة أمرا واحدا بالذات فلا إشكال أيضا إذ المغايرة بين المشيئة والفعل - المفهومة من طبيعة القضية المشتملة على أدوات الشرط والجزاء ، مما لا يقدح في الاتحاد بينهما بحسب الواقع .
لأنّ علّية شيء لشيء بحسب التعبير العلمي والمفهوم الذهني لا يستلزم كليّا كونهما كذلك بحسب نفس الأمر بل قد يكونان بعكس ذلك كما في القياس المسمّى بالبرهان الإنّي . وقد يكونان شيئا واحدا .
كقولنا : إن كان اللّه تعالى قادرا ؛ كان عالما لأجل كون قدرته تعالى عين علمه .
فقد تبيّن مما ذكرناه أنّ : نفس مفهوم المشيئة لا يستدعي كونه زائدا على مفهوم العلم والإيجاد إلى أن يقوم عليه البرهان .
( جوم ، 130 ، 8 )
عليّة العلّة
- إنّ علّية العلّة لا يمكن أن يكون وصفا