المظلمة ، أي نفس السفل والقوّة والهبوط ، كما خرج من إطلاق العالي جسمية الأرض ومكانه الذي هو أسفل السافلين .
( تفسق ( 5 ) ، 184 ، 7 )
- أمّا في مقام الجمع فهو الواحد القهّار لا غير ، لأنّه لا يوصف إلّا بالصفات التنزيهية ، فلا علوّ كما لا سفل له ، والاشتراك المذكور في أصل العلوّ في الجملة بين العبد والرب في مقام الفرق ، ولابدّ من إعطاء حقّ الربوبية والعبودية من العلوّ بأنّه ذاتي للربّ وعرضي للعبد ، ولهذا أمر اللّه تعالى أشرف الممكنات - وهو الذي له المنزلة العظمى في المعيّة للحقّ والعلوّ المعنوي دون غيره إلّا بوسيلته - أن يتأدّب بأدب العبودية ويسبح اللّه عن النقص الإمكاني ، فقال مخاطبا إيّاه :
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
( الأعلى : 1 ) وظنّي أنّ منشأ استغفار رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله - كما ورد في الحديث - هو هذه المعيّة العالية التي هي مظنّة الاشتراك بين العبد والرب في العلوّ المعنوي ، فيحتاج العبد الأعلى والملك المقرّب في كل حين إلى تذكّر عظمة اللّه وعلوّه والاستغفار عن ذنب وجوده الإمكاني ، لئلّا يقع في السكر عن الشكر ، وفي الكفر عن الإحسان ، والنسيان عن الوجدان ، فيجري على لسانه شيء من السكريات فينحطّ عن مقام القرب والمحبّة إلى مقام البعد والمذلّة - نعوذ باللّه من الحور بعد الكور . ( تفسق ( 5 ) ، 186 ، 4 )
علوّ اللّه
- إنّ علوّ اللّه تعالى يمتنع أن يكون بالجهة ، وما أحسن ما قال أبو مسلم بن بحر الأصفهاني في تفسير قوله تعالى :
لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
( الأنعام : 12 ) قال : " وهذا يدلّ على أنّ المكان والمكانيات بأسرها ملك اللّه وملكوته - ثم قال :
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
( الأنعام : 13 ) وهذا يدلّ على أنّ الزمان والزمانيات بأسرها ملك اللّه تعالى وملكوته ، فتعالى وتقدّس عن أن يكون علوّه بسبب المكان وتقدّمه بسبب الزمان ، إذ المكان والزمان كلاهما من مخلوقات اللّه الواقعة في أدنى المراتب . فتعالى ذاته وصفاته عن أن يكون مكانيّا أو زمانيّا ، فبقي أن يكون علوّه بحسب وجوب الوجود والإلهية ، وسرمديّته بحسب القيوميّة الذاتية . ( تفسق ( 5 ) ، 188 ، 11 )
علوّ وجودي
- قد وصف اللّه هذه الأمّة المرحومة بالعلوّ المعنوي والمنزلة الوجودية فقال :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ
( محمد : 35 ) أي : في هذا العلوّ ، وهو سبحانه مقدّس عن العلوّ المكاني ، فيكون المراد العلوّ الوجودي ، إذ موجودية الممكن إنّما يحصل بمعيّة الواجب تعالى معه - أمّا ابتداءا أو بتوسّط معيّته بالأشياء الأخر ، وهي العلل المتوسّطة بينه وبين المعلول الأخير - فإنّ معيّته تعالى بكل متقدّم في الوجود أقدم من معيّته إلى المتأخّر ، لكن المراد ههنا من