وأنّ مجعولاته الصادرة عنه إنّما هي أنحاء الوجودات العينية ، فالعلم الواجبي بذاته الذي هو نفس ذاته يقتضي العلم الواجبي بتلك الوجودات الذي لابدّ أن يكون عين تلك الوجودات ، فمجعولاته بعينها معلوماته ، فهي بعينها علومه التفصيلية لا محالة ، فهي تابعة للعلم الكمالي والعقل البسيط بالمعنى الذي علمته في باب العقل والمعقول وفي علم النفس ، وإنّما سمّينا هذه الوجودات علما له باعتبار أنّها من لوازم علمه بذاته ، وإن اصطلح أحد بأن يسمّي تلك الأشياء الصادرة عنه تعالى علوما له باعتبار وجوداتها ومجعولات له باعتبار مهيّاتها المتغايرة للوجود لكان حسنا لمحافظة على الفرق بين ما هو علم الباري وما هو فعل له فإنّ العلّة الفاعلية عرّفوها في مباحث العلل بما يؤثّر في غيره بما هو غيره والمهيّات الممكنة كلها مباينة لحقيقة الواجب ( تعالى ) وأمّا الوجودات فقد علمت من طريقتنا أنّها من لمعات ذاته وشوارق شمسه . ( سفع ( 3 / 1 ) ، 230 ، 13 )
علم وإرادة وشوق وميل
- إنّ الإنسان إذا قصد إلى إحداث فعل أو حركة منه فلابدّ من علم وهو تصوّر ذلك الفعل ، والتصديق بفائدته ، ثم لابدّ له من إرادة وعزم له ، ثم لابدّ له من شوق إليه ، ثم لابدّ له من ميل في أعضائه إلى تحصيله ، فبالحقيقة هذه الأمور الأربعة ( أعني العلم والإرادة والشوق والميل ) معنى واحد يوجد في عوالم أربعة يظهر في كل موطن بصورة خاصة تناسب ذلك الموطن ، فالمحبة إذا وجدت في عالم العقل كانت عين القضية والحكم كعالم القضاء الإلهي وإذا وجدت في عالم النفس كانت عين الشوق . وإذا وجدت في عالم الطبيعة كانت عين الميل ، فإذا تبيّن وتحقّق عندك ما ذكرناه انكشف لديك ما في كلام هؤلاء المحجوبين عن درك الحقائق من الصحّة والصواب بوجه والفساد والخطأ بوجه أو وجوه ، فمن فسّر الإرادة باعتقاد النفع صحّ كلامه من حيث لا يشعر وبوجه دون وجه ، ومن فسّرها كالأشاعرة بأنّها صفة مخصّصة لأحد المقدورين - وهي غير العلم والقدرة - صحّ ما ذكره من جهة دون أخرى ، وفي موضوع دون آخر ومن قال : إنّها شوق متأكّد إلى حصول المراد صحّ إن لم يرد الكلّية والعموم ، ومن ذهب إلى أنّها ميل يتبع اعتقاد النفع صحّ أيضا في مرتبة دون أخرى . وانفكاك بعض هذه المعاني عن بعض في حقّ الإنسان لا ينافي اتّحادها في حق اللّه . ( سفع ( 3 / 1 ) ، 342 ، 11 )
علم وحكمة
- العلم والحكمة ، فإنّ كلّا منهما صفة كمالية لمطلق الوجود ، ولا يقتضي عروضه للشيء تجسّما ولا تكثّرا ولا تخصّصا بأمر جزئي أو انفعال مادي ، فإذا وجد شيء منهما في المخلوق والمبدع فوجوده في الخالق المبدع أولى وأليق وأشدّ وأوثق .
( تفسق ( 2 ) ، 358 ، 11 )