الْأَرْضِ
( سبأ : 3 ) ، علمه الذي هو نفس ذاته ، علّة لوجود مفطوراته ، فأظهر كل شيء بحكمته ،
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
( طه : 50 ) بقدرته ، وأوجد أعيان العالمين برحمته ، علم الأشياء في قضائه السابق جملة وتفصيلا ، ثم نزّلها بقدره المعلوم تنزيلا ، رتّبها بمقتضى مشيّته أحسن الترتيب ، وخصّصها على وفق عنايته بالتبعيد والتقريب ، أبدع المبدعات بقدرته فأبدى آزالها ، وأنشأ الكائنات بحكمته فسمّى آجالها ، نظّمها في سلك الزمان تقديما وتأخيرا ، وخلق كل شيء فقدّره تقديرا ، ولم يحتج في ذلك إلى زمان ومكان ، بل قال : " كن " فكان . ( ورق ، 59 ، 4 )
علم اللّه بالأشياء
- لمّا كان علمه بذاته هو نفس وجوده وكانت تلك الأعيان موجودة بوجود ذاته . فكانت هي أيضا معقولة بعقل واحد ، هو عقل الذات فهي مع كثرتها معقولة بعقل واحد ، كما أنّها مع كثرتها موجودة بوجود واحد إذ العقل والوجود هناك واحد فإذن قد ثبت علمه ( تعالى ) بالأشياء كلها في مرتبة ذاته قبل وجودها ، فعلمه بالأشياء الممكنة علم فعلي سبب لوجودها في الخارج ، لما علمت : أنّ علمه بذاته هو وجود ذاته ، وذلك الوجود بعينه علم الأشياء ، وهو بعينه سبب لوجوداتها في الخارج التي هي صور عقلية تتبعها صور طبيعية تتبعها المواد الخارجية ، وهي أخيرة المراتب الوجودية ، فالحق بوجود واحد يعقلها أولا قبل إيجادها ، ويعقلها ثانيا بعد إيجادها ، فبعقل واحد كان يعقلها سابقا ولاحقا وبعين واحدة كان يراها في الأزل واحدة وبعد الأزل متكثّرة . فهذا تقرير مذهبهم على الوجه الصحيح المطابق للقوانين الحكمية البحثية . لكنهم لاستغراقهم بما هم عليه من الرياضات والمجاهدات وعدم تمرّنهم في التعاليم البحثية والمناظرات العلمية ربما لم يقدروا على تبيين مقاصدهم وتقرير مكاشفاتهم على وجه التعليم ، أو تساهلوا ولم يبالوا عدم المحافظة على أسلوب البراهين ، لاشتغالهم بما هو أهمّ لهم من ذلك ، ولهذا قل من عباراتهم ما خلت عن مواضع النقوض والإيرادات ، ولا يمكن إصلاحها وتهذيبها إلّا لمن وقف على مقاصدهم بقوّة البرهان وقدم المجاهدة .
( سفع ( 3 / 1 ) ، 283 ، 9 )
- علمه تعالى بجميع الأشياء ليس إلّا بحضورها أنفسها ، لا بحصول صورة مطابقة لها ذهنية . فقد ثبت أن علمه بجميع الأشياء على الوجه الجزئي . وأنّه لو كان علمه تعالى بالأشياء بحصول صورها في ذاته تعالى فلا يخلو : إما أن تلك اللوازم لوازم ذهنية له ، أو لوازم خارجية له ، أو لوازم له مع قطع النظر عن الوجودين . لا سبيل إلى الأول والثالث . إذ لا يتصوّر للواجب إلّا نحو واحد من الوجود وهو الخارجي الذي هو عين ذاته تعالى ، واللوازم الخارجية لا يكون إلّا حقائق