قبله " ، إنّ العلمين كليهما هما من العلوم الحقيقية ، الأول في عرف الصوفية يسمّى علم التوحيد ، وفي عرف العلماء الإلهيين يسمّى العلم الإلهي والعلم الكلّي . والثاني في عرف الصوفية يسمّى علم الآفاق والأنفس ، وفي عرف الحكماء الطبيعيين ينقسم هذا العلم إلى قسمين : أحدهما علم السماء والعالم ، والثاني علم النفس ، وكل منهما - تبعا للغاية والنتيجة - يدور حول علم التوحيد . ( رسص ، 160 ، 18 )
علم اللّه
- إن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء الكلّية والجزئية ، لأنّ كل شيء من لوازم ذاته بوسط أو بغير وسط ، يتأدّى إليه بعينه قضاؤه وقدره الذي هو تفصيل قضائه تأدّيا واجبا ، إذ كل ما لم يجب وجوده أولا لم يوجد أخيرا ، فالعناية الإلهية هي إحاطة علمه البسيط الذي هو نفس وجوده بالكل ، وبالواجب أن يكون عليه الكل ، حتى يكون على غاية الجودة والنظام ، وأبلغ الكمال والتمام وأحسنه ، وبأن ذلك واجب عنه تعالى وعن إحاطة علمه به ، ليكون الموجود على وفق المعلوم على أكمل الوجوه في النظام ، فعلمه سبحانه بكيفيّة الخير والصواب في ترتيب وجود عالمي الغيب والشهادة هو منبع لفيضان الكل .
( سري ، 49 ، 20 )
- إنّ واجب الوجود لذاته واجب الوجود من جميع الحيثيات ، ولا شكّ أنّ العلم صفة كمالية للموجود بما هو موجود ولا يقتضي تجسّما ولا تغيّرا ولا إمكانا خاصّا ، وقد تحقّق في كثير من الموجودات كالذوات العاقلة فيجب حصوله لذاته ( تعالى ) على سبيل الوجوب بالذات . ( سفع ( 3 / 1 ) ، 176 ، 3 )
- إنّ الفاعلية ( كالعلم والقدرة ونحوهما ) قد تطلق ويراد بها نفس الإضافة المتأخّرة عن وجود الطرفين بلا شكّ ، وقد تطلق ويراد مبادئ تلك الإضافات فهي متقدّمة عليها ، وليست تلك المعاني من الصفات الكمالية له ( تعالى ) إلّا باعتبار مبادئها المتقدّمة على الإضافة ، فكما أنّ فاعليته الحقيقية لا يتوقّف على وجود الفعل لأنّ وجود الفعل يتوقّف عليها وإلّا لزم الدور ، فوزان ذلك في علمه أن يجعل المعلوم تبعا للعلم ، لا العلم تبعا للمعلوم . ( سفع ( 3 / 1 ) ، 199 ، 12 )
- إنّ الحقّ الأول يعلم الأشياء كلها بما يعلم به ذاته لا بأمر آخر وأيضا العقل الأول عندهم جوهر ، وجوهريّته إنّه مهيّة لها وجود انتزاعي وهو عرض زائد على مهيّته والعلم - سيّما علم اللّه - ليس كذلك ، لأنّه كالوجود ليس بجوهر ولا عرض ، وجوهرية العقل عند هؤلاء الراسخين إنّما هي لسريان الهوية الواجبية فيها فيصلح عندهم أن يكون علمه ( تعالى ) بالأشياء ولا يصلح عند غيرهم ، وأيضا القول بأنّ العقل الأول بما فيه عين علمه بالأشياء يبطل العناية الإلهية السابقة على وجود الأشياء كلها ، وليست عبارة عن حضور العقل عنده ، لأنّ الحضور صفة الحاضر