مما أقيم عليه البرهان ، وطابقه الكشف والوجدان ، ويؤكّده الاستقصاء في الاستقراء ، والاستيفاء في التتبّع من أهل البصيرة والإيقان . فالنبات مثلا أوّله لبّ وبذر ، وآخره بذر ولبّ ، والحيوان - بما هو ذو نموّ واغتذاء - أوله نطفة حاصلة عن غذاء ، وآخره نطفة حاصلة من أواخر هضوم الغذاء - وبما هو ذو حسّ وتخيّل كلما يحسّ به أو يتخيّله أولا يصل إليه أخيرا ، فإنّ من أراد الأكل أحضرت في حسّه بسبب وجود الجوع صورة المأكول ، وفي خياله صورة الشبع ، فحاول أن يستكمل صورة المأكول التي في حسّه بالأكل ، وصورة الشبع التي في خياله بإدخاله من حدّ التخيّل إلى حدّ العين ، فالشبعان تخيّلا هو الذي يأكل ليصير شبعان وجودا ، فالشبعان تخيّلا هو العلّة الفاعلية ، والشبعان وجودا هو العلّة الغائية . ( تفسق ( 2 ) ، 280 ، 14 )
- إن الفاعل هو ما يفيد الوجود . والغاية هي ما يفاد لأجله الوجود ، سواء كان نفس الفاعل أو أعلى منها . ولو كانت الغاية قائمة بذاتها وكان يصدر منها أمر لكانت فاعلا وغاية . فذات البارئ علّة فاعلية ، من حيث أنه يفيد وجود الأشياء . وعلّة غائية ، من حيث أن إفادته الوجود لأجل علمه بنظام الخير فيها الذي هو عين ذاته المعشوقة لذاته . ( مبع ، 138 ، 21 )
علّة فاعلية
- اعلم أنّ العلّة الفاعلية بحسب المشهور على ضربين : أحدهما الفاعل الذي يحتاج في فاعليّته إلى حركة وآلة وقابل - كالكاتب والبنّاء - ومثل هذا الفاعل يقال له في عرف الإلهيين ب " المعد " و " المحرّك " وهي العلّة بالعرض وثانيهما الفاعل الذي لا يحتاج إلى حركة وآلة جسمانية وقابل - وهو الفاعل في عرفهم - وإن سئلت الحقّ فليس الفاعل بالحقيقة إلّا ما هو بريء بالكلّية عن جهة الإمكان ، وما هو إلّا الواحد الحقّ - كما مرّت الإشارة إليه . فالفاعل بالمعنى الأول لتعلّقه بالمادة الجسمانية وتحرّكه عند تحريكه يلحقه لا محالة كلال وإعياء ودثور وفناء ، لأنّ الجسمانيات متناهية الذوات ، متناهية القوى والانفعالات ، كما أنّها متناهية الامتدادات والاتّصالات ، فيصحبها الكلال أولا ثم الزوال ثانيا ، وقد صرّح بعض الحكماء بأنّ الفاعل الجسماني قابل في الحقيقة لفعله لمباشرته إيّاه ، وأمّا القوى الفعّالة المتقدّسة عن شوب الانفعال المادي ، المرتفعة عن حضيض العالم السفلي فهي مسلوبة التغيّر عن حالها ، ممتنعة التجدّد في فعالها ، بريئة الذوات عن لحوق معنى عارض يوجب كلالها وملالها ، أو مضادّ مفسد يقتضي فسادها وزوالها . ( تفسق ( 5 ) ، 178 ، 13 )
- أما ( العلّة ) الفاعلية فهي التي يكون منها وجود المعلول ، وهي قد تكون بالذات كالفاعل الصانع للكون والطبيب للعلاج ، وقد يكون بالعرض ، أمّا لأنّه مصحوب بما هو فاعل حقيقة كما يقال للكاتب معالج ،