عنه صور الأشياء معقولة له ، مشاهدة عنده ، مرضيّا لديه على نظام هو أتمّ النظامات ، الممكنة خيرا وكمالا . لا على أن تتبعه صور الأشياء ؛ اتباع الضوء للمضيء والأسخان للنار تعالى عزّه عن ذلك علوّا كبيرا . بل على أنه عالم بكيفيّة نظام الخير الواقع في الوجود مشاهدا ، إيّاها وفيضان الخير والفضل عنه غير مناف لذاته بل أنه مناسب لجنابه ومرضيّ عند ذاته وليس أنه يوجد الأشياء ثم يرضى بها بل نفس وجود نظام الخير نفس رضاه بها .
فإذا تحقّق وتبيّن أن إرادته للأشياء عين علمه بنظام الخير الأكمل الأصلح الذي هو تابع لعلمه بذاته ، وعلمه بذاته هو بعينه داع له إلى إفادة الخير والجود - لما علمت من القول بأنّ محبته تعالى لذاته تستتبع محبّته للأشياء فكما أن لعلمه مراتب فكذلك لإرادته ، ونفس وجود الأشياء الخارجية كما أنها نفس علمه تعالى بها هي أيضا نفس إرادته تعالى لها بمعنى مراديتها لا بمعنى مريديّته . وتلك الأشياء وإن كانت نفس مراده تعالى ونفس رضاه ولكن ليست هي علّة غائيّة وغرضا له تعالى في فعله بل ذاته تعالى علّة غائيّة لإيجاد الأشياء وغرض له فيها كما أنه علّة ، فاعلية ، لها - لما عرفت من الفرق بين ما بالذات وبين ما بالعرض . ( جوم ، 137 ، 2 )
علّة غائية وعلّة فاعلة
- إنّ الفاعل هو ما يفيد الوجود والغاية ما يفاد لأجله الوجود سواء كان نفس الفاعل أو أعلى منها . ولو كانت الغاية قائمة بذاتها أو كانت يصدر عنها أمر لكانت فاعلا وغاية . فذات الباري علّة فاعليّة من حيث إنه يفيد وجودها ما يوجد عنه . وعلّة غائيّة من حيث إنه أفادته الوجود لأجل علمه بنظام الخير فيه الذي هو عين ذاته المعشوقة لذاته . ( جوم ، 140 ، 15 )
- إنّ العلّة الغائيّة في الكائنات يعني القريبة منها لا الغاية القصوى ؛ فإنها في الكل هي ذات الباري جلّ مجده ، إذا تأمّلت فيها فهي في الحقيقة عين العلّة الفاعليّة دائما .
فإنّ الجائع إذا أكل ليشبع ؛ فحاول أن يستكمل له وجود الشبع ، فيصير من حدّ التخيّل إلى حدّ العين ، فهو من حيث إنه شبعان تخيّلا ؛ هو الذي يأكل ليصير شبعان وجودا ، فالشبعان تخيّلا هو العلّة الفاعلية والشبعان وجودا هو العلّة الغائية . فالأكل صادر من الشبع ومصدر للشبع ولكن باعتبارين مختلفين : فهو باعتبار الوجود العلمي فاعل ؛ وباعتبار الوجود العيني غاية . وأما في الواجب تعالى فلا مغايرة بينهما أصلا فإنه - عزّ وجلّ - لما كان ماهيّته إنّيته كان الفاعل والغاية فيه أمرا ، واحدا بالذات وبالاعتبار جميعا . ( جوم ، 141 ، 1 )
- إنّك لو نظرت حقّ النظر إلى العلّة الغائيّة وجدتها في الحقيقة عين العلّة الفاعلية دائما إنّما التغاير بحسب الاعتبار ، فإنّ الجائع مثلا إذا أكل ليشبع فإنّما أكل لأنّه تخيّل الشبع فحاول أن يستكمل وجود