وفعلية وجودها لا يمكن أن يكون مادة لصورة حادثة أو موضوعا لعرض حادث لفقد القوة والإمكان فيها لأنها من لوازم الهيولى بل عين الهيولى . وذوات العقول صور مجرّدة ليست جواهرها جواهر استعدادية بل صورية محضة كما برهن عليه في كتب المعلّمين أرسطو والفارابي وفي كتب الشيخ الرئيس أيضا ك " الشفاء " و " النجاة " و " التعليقات " و " المبدأ والمعاد " . ( شهث ، 278 ، 24 )
عقول فعّالة
- اعلم أنّ الأنوار المجرّدة القاهرة ، القاطنين في حظيرة عالم القدس ، أعني العقول الفعّالة ، هي كلمات اللّه التامات ، لأنّ التام هو الذي يوجد له كلما يمكن له في أول الكون وبحسب الفطرة الأولى من غير انتظار ، وفوق التمام هو الذي يفضل عن وجوده وجود غيره ، ويفيض على غيره لفرط كماله ، وهو واجب الوجود ، والناقص ما يحتاج إلى غيره في كماله اللائق بحاله ، ولا يوجد له في أول الفطرة ما يستكمل به . ( مفغ ، 456 ، 19 )
عقول مجرّدة
- إنّ الموجودات الجوهرية باعتبار التأثير والتأثّر ينقسم ثلاثة أقسام : فعّال غير منفعل ، ويعبّر عنه اصطلاحا بالعقول المجرّدة ، ومنفعل غير فاعل وهو الجسم بما هو جسم ، أي ذو أبعاد ثلاثة فقط ، ومنفعل فاعل ينفعل من العقول الفعّالة ويفعل في الأجسام المنفعلة ويسمّي النفوس والصور " . وهذه الأقسام يقضي العقل بإمكانها . وأما إثبات وجودها فيحتاج إلى البرهان . نعم ، الأجسام معلومة الوجود بإعانة الحسّ ، وليس بنفسه محسوسا بل بظاهره وصفاته من اللون والشكل والتحيّز وغيرها . وأما النفوس والصور فيدلّ عليها حركات الأجسام وانحفاظ حقائقها . وأما العقول فيدلّ عليها تحريكات النفوس وأشواقها . ( مبع ، 160 ، 10 )
- العقول المجرّدة كثيرة ، بل لا يجوز أن يكون عددها أقلّ من عدد الأجرام الإبداعية السماوية . وذلك لأنها ثبت أنها مختلفة الطبائع ، فلكونها ممكنة تحتاج إلى علل كثيرة ، إذ الواحد بجهة واحدة لا يصدر منه إلّا واحدة ، فلا بدّ من عدد حتى يصدر عن كل واحد واحد ، وينبغي أن يختلف بالنوع لأن الكثرة بالعدد لا يتصوّر من نوع واحد إلّا بكثرة المادة أو استعداداته ، كما مرّ . وما ليس ماديّا لو تكثّر فإنّما تكثّر باختلاف النوع بتعدّد الفصول المتباينة لا بالعوارض ، لاستحالة أن يلزم الشيء عارض لا يجوز في نوعه ، والعارض المفارق لابدّ له من مادة يقبل تجدّده وحدوثه وزواله ؛ فما لم يكن له مادة لم يكن له كثرة وتعدّد إلّا بالنوع .
وهذه العقول التي هي فواعل الجواهر السماوية ينبغي أن يكون هي المعشوقات وغاية الحركات لنفوس السماوات لأن التفات كل شيء في استكماله وطلبه الخير إلى ما هو علّته وإلى طلب ما هو التشبّه