والمعقول إيضاحا يكفي لأهل العرفان وأصحاب الذوق والوجدان ، وإن لم يكن نافعا لأهل الجحود والطغيان ؛ فمن استشكل عليه أنّ شيئا واحدا كيف يكون فاعلا متقدّما على وجود الشيء وغاية متأخّرة عنه مترتّبة عليه ترتّبا ذاتيّا بعد مراتب استكمالاته وترقّياته في الوجود فعليه أن يرجع وينظر إلى ما حقّقناه ، ويسلك الطريق الذي سلكناه . ( سفع ( 4 / 2 ) ، 140 ، 6 )
- إنّ النظر في العقل الفعّال من حيث وجوده في نفسه غير النظر فيه من حيث حصوله لنفوسنا ؛ فالنظر فيه من الحيثية الأولى قد مرّ ذكره في الربوبيات إذ قد ثبت وجوده في نفسه بالبرهان ، وليس النظر فيه الآن إلّا من حيث كونه كمالا للنفس الإنسانية وتماما لها ، والبرهان على وجوده في النفس إنّ النفس في مبادي الأمر وإن كانت نفسا بالفعل لكنها عقل بالقوّة ، ولها أن تصير عقلا بالفعل لأجل تصوّر المعقولات والتفطّن بالثواني بعد الأوليات حتى يصير بحيث تحضر صور المعلومات متى شاءت ؛ فتحصل لها ملكة استحضار الصور العقلية من غير تجشّم كسب جديد ؛ فخرجت ذاتها من العقل بالقوّة إلى العقل بالفعل ، وكلّما خرج من حدود القوّة والاستعداد إلى حدّ الفعل فلابدّ له من أمر يخرجه منها إليه ؛ فهو إن كان أمرا غير عقلي كجسم أو قوّة جسمانية فيلزم أن يكون الأخسّ وجودا علّة مفيدة للأشرف وجودا ، وكان غير العقل أفاد العقل لغيره وذلك محال ، وإن كان عقلا فلا يخلو إمّا أن يكون عقلا في أصل الفطرة فهو المطلوب ، وإن لم يكن كذلك فيحتاج لا محالة إلى أمر يخرجه من القوّة إلى الفعل ويجعله عقلا بالفعل فننقل الكلام إليه حتى يدور أو يتسلسل أو ينتهي إلى المطلوب ؛ فثبت وجود العقل المقدّس عن شائبة القوّة والنقص الاستعدادي . ( سفع ( 4 / 2 ) ، 141 ، 10 )
- اعلم إنّ الحكماء أرادوا بالعقل الفعّال عالم الأمر كله ، وهو بعينه عند التحقيق ما فيه صور علم اللّه من اللوح المحفوظ الذي كتب اللّه فيه صورة ما في السماوات وما في الأرض بيد القدرة الإلهية ؛ فالأولى أن يقال : إنّ الصدق بمطابقة الخبر لما في علم اللّه ، والحقّ هو عين علمه بالأشياء على وجهه . ( تفسق ( 2 ) ، 146 ، 5 )
- إنّ العقل الفعّال مع أنّه فاعل متقدّم على غيره من الممكنات ، فهو بعينه ثمرة حاصلة من وجوداتها المترتّبة في الاستكمال والارتقاء إلى الكمال ، وهذا من أعجب العجائب مع أنّه حقّ لا مرية فيه لهذا الفقير المنكسر البال ، المشوّش الحال .
( تفسق ( 5 ) ، 393 ، 15 )
- المقام الثالث : هو العقل الفعّال ، وهو الذي به صار الهيولاني ذا ملكة الانتقال .
وقياس هذا الفاعل - كما يقول أرسطو - قياس الضوء ، لأنّه كما أن الضوء علّة الألوان المبصرة بالقوّة في أن تصير مبصرة بالفعل ، كذلك هذا العقل يجعل العقل الهيولاني الذي بالقوة بأن يثبت فيه ملكة
موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي — صفحة 606
مساهمون: سميح دغيم
ص٦٠٦