العقل ، كما يظهر من استقراء أشياء يتخاطبون بها أو يكتبون في كتبهم مما يستعملون فيها هذه اللفظة . وأمّا العقل الذي ذكره الفلاسفة في علم البرهان ، فإنّما يعني به قوّة النفس التي بها يحصل للإنسان اليقين بالمقدّمات الكلّية الصادقة الضرورية لا عن قياس وفكرة ، بل بالطبع والفطرة . وأمّا العقل المذكور في كتب الأخلاق ، فإنّما يراد به جزء النفس الذي يحصل به المواظبة على اعتقاد شيء شيء على طول الزمان ، من باب قضايا ومقدّمات في جنس الأمور الإرادية ، التي شأنها أن تؤثّر أو تجتنب ، فالعقل بهذا المعنى مبدأ التعقّل والرأي ، فيما سبيله أن يستنبط هذه القضايا والمقدّمات ، ونسبة هذه القضايا إلى ما يستنبط بها ، كنسبة تلك القضايا الأول التي هي مذكورة في كتاب البرهان إلى ما يستنبط بها ، وكما أنّ تلك مبادئ لأصحاب العلوم النظرية ، كذلك هذه مبادئ للآراء العلمية فيما من شأنه أن يستنبط من الأمور الإرادية ، ومن شأنه أن يزيد مع الإنسان طول عمره ، ويتفاضل فيه الناس تفاضلا متفاوتا . وأمّا العقل المذكور في علم النفس فهو على أربعة أنحاء ، قوّة واستعداد وكمال وفوق الكمال ، فالأول هو العقل الهيولاني ، والثاني العقل بالملكة ، والثالث العقل بالفعل ، والرابع العقل الفعّال ، وهو الذي فيه صور الموجودات بالفعل ، ونسبته إلى نفوسنا كنسبة الشمس إلى أبصارنا . وأمّا العقل الذي يذكر في العلم الإلهي وعلم ما بعد الطبيعة وما قبلها أيضا بوجه ، فهو الجوهر المفارق عن الأجسام وأحوالها ، في الذات وفي الصفات وفي الأفعال جميعا ، وفي كل من هذه المعاني أبحاث وتحقيقات لا يعرفها إلّا الكاملون في العلم والتحقيق . ( مفغ ، 135 ، 22 )
عقل أخير رباني
- إنّ الروح الإنساني والعقل الأخير الربّاني في درجة القرب عند اللّه في عالم العود والصعود مماثل للروح الأعظم والعقل الأول القرآني في عالم البدو والنزول ، وسلطانه يوم القيامة ويوم العمل كسلطان الروح الأعظم يوم الأزل ، لاشتمال كل منهما على جميع المراتب الوجودية .
( تفسق ( 5 ) ، 398 ، 15 )
عقل أول
- العقل الأول والروح الأخير - وهو الحقيقة المحمّدية - ذات واحدة ظهرت مرّتين ، مرّة في الإدبار إلى تالخلق لتكميل الخلائق ومرّة في الإقبال إلى الحقّ تعالى ، لشفاعتهم ، لقوله صلى اللّه عليه وآله :
" أول ما خلق اللّه نوري " وقوله " أول ما خلق اللّه العقل " ، قال له : " أقبل " فاقبل ، ثم قال له : " أدبر " فأدبر ، قال : " فبعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك ، بك أعطي وبك آخذ ، وبك أثيب ، وبك أعاقب " ورواه الشيخ الجليل أمين الإسلام ، ثقة المحدثين محمد بن يعقوب الكليني في أول كتاب العقل من كتب الكافي ، وهو حديث متّفق على صحّته