خلقه ، يهدي به من يحبّه فيجعله فيه مكتحلا بنور الهداية ، ويضلّ به من يبغضه فيجعله فيه عريا عن نور الهداية ؛ لإثبات الحجّة . إذ لو غاب العقل رأسا ما ثبتت الحجّة ، وهو مناط الثواب والعقاب ، وليس للفلاسفة ومن يحذو حذوهم إلّا العكوف على باب عقولهم ، والاقتصار على ما أدركوه بمبادئ عقولهم وأوائلها ، وجحودهم لما وراءها ، وعدم اقتباسهم أنوار حقائق الأشياء من مشكاة النبوّة والولاية . فمن أثبت فلكا ولم ير ملكا ، وأثبت معقولا وأنكر منقولا فهو كالأعور الدجّال ، فهلّا نظر بالعينين وما أثبت العالمين بحسب كلّ موجود ، وما جمع بين المعقول والمنقول والعقل والشرع ؟ فالشرع عقل ظاهر والعقل شرع باطن ، كما أنّ الفلك ملك ظاهر والملك فلك باطن . فإذا حكمت - أيّها العاقل - بأنّ الفلك له اختيار وفعل ؛ ولم تدر أنّ الفعل والاختيار للملك الموكّل به ؛ فقد أخطأت ، فصورة الفلك وطبعه من عالم الشهادة ، وصورة الملك وحقيقته من عالم الغيب ، فمن لم يؤمن بالملائكة لم يؤمن بالغيب .
( تفسق ( 7 ) ، 124 ، 11 )
- المقام الثاني من العقل هو الذي حصل به للنفس ملكة الانتقال من الأوائل إلى الثواني ، ومن البديهيات إلى النظريات بواسطة حصول تلك الأوائل من طريق الحواس والخيال وذلك لحصول قوة في النفس بها تقتدر أن تأخذ صور المعقولات من المخيّلات ، والنظريات من البديهيات ؛ مثل الذين فيهم ملكة الصناعات ، القادرين بأنفسهم على أن يعملوا أعمالهم . والأول أعني الهيولاني ما كان شبيها بهؤلاء ، بل بالذين فيهم قوة بعيدة يقبلون بها ملكة الصناعة حتى يصيروا بتلك الملكة صانعا كالأطفال والناقصين ؛ وأمّا هذه الملكة ففي الذين قد استكملوا وصاروا معدودين من جملة العقلاء . ( رست ، 132 ، 14 )
- العقل ، ويقال : على أنحاء كثيرة ، أحدها الشيء الذي به يقول الجمهور في الإنسان أنّه عاقل ، وهو العلم ، بمنافع الأمور ومضارّها ، وحسن الأفعال وقبحها ، والثاني العقل الذي يردّده المتكلّمون ، فيقول المعتزلة منهم به كقولهم : هذا ما يوجبه العقل وينفيه العقل ، والثالث ما ذكره الفلاسفة في كتاب البرهان ، والرابع ما يذكر في كتب الأخلاق المسمّى بالعقل العملي ، والخامس العقل الذي يذكر في أحوال النفس الناطقة ودرجاتها ، والسادس العقل الذي يذكر في العلم الإلهي وما بعد الطبيعة . أمّا العقل الذي يقول به الجمهور في الإنسان ، فإنّ مرجعه إلى الحيلة وجودة الرويّة في استنباط الأمور الدنياوية ، وذلك أنّهم قالوا في مثل معاوية إنّه عاقل ، وربما قيل : إنّ العاقل ليس يكون عاقلا ما لم يكن له دين ، وإنّ الشرير وإن بلغ في جودة الروية في استنباط الشرور ما بلغ ، لم يسمّوه عاقلا . وأمّا العاقل الذي يردّده المتكلّمون ، فإنّما يعنون به المشهور في بادي رأي الجميع ، فإنّ بادي الرأي المشترك عند الجميع أو الأكثر يسمّونه
موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي — صفحة 599
مساهمون: سميح دغيم
ص٥٩٩