( سفع ( 4 / 2 ) ، 86 ، 4 )
صفات الباري
- الصفات إمّا محسوسة وإمّا معقولة ، وكل منهما إمّا عين الموصوف أو غيره ، فهذه أربعة : الأول كالمتّصل للجسم والثاني كالأسود له ، والثالث كالعالم للعقل ، والرابع كالعالم للإنسان البشري فنقول :
صفات الباري ليست من قبيل المحسوسات إذ هو أجلّ من أن يناله حسّ فما أضلّ المجسّمة والمشبّهة ! ! ولا من قبيل الصفات الزائدة لازمة كانت كما يقوله الأشاعرة ، أو مفارقة كما يقوله الكرامية - تعالى عن أوهام الجاهلين المضلّين علوّا كبيرا - إذ لو كان كذلك يلزم أن يكون عارية في مرتبة ذاته بذاته عمّا هو صفة الكمال كالعلم والقدرة والحياة وغيرها ، فيكون تجمّله بغير ذاته فيكون للغير تأثير في كماله وتمامه ويؤدّي إلى الدور المستحيل ، فيلزم أن يكون ذاته أكمل من ذاته ، وعلى قاعدة الإشراق يلزم أن يكون ذاته أنور من ذاته ، إذا تنوّر بأنوار صفاته ، والكل مستحيل . ولأنّ الفطرة حاكمة : بأنّ ذاتا يكون كمالها بنفس ذاتها أشرف وأكمل من ذات استكملت بأمر زائد على ذاته . وعلى الجملة ليس في ذاته لكونه مبدأ سلسلة الخيرات الوجودية والإضافات النورية شيء بالقوّة أصلا ، ولا في ذاته جهة إمكانية . بل كله وجود بلا عدم ، وكمال بلا نقص وفعل بلا قوّة ، ووجوب بلا إمكان ، وخير بلا شرّ ، لأنّه غير متناهي الشدّة الوجودية أبي ذاته عن القصور والانفعال ، فصفاته الجمالية كلها عين ذاته أي : وجودها بعينه وجود الواجب ، فهي كلها واجبة الوجود من غير لزوم تعدّد الواجب وإليه الإشارة بقول الشيخ " أبي نصر الفارابي " : " يجب أن يكون في الوجود وجود بالذات وفي العلم علم بالذات ، وفي القدرة قدرة بالذات وفي الإرادة إرادة بالذات ، حتى تكون هذه الأمور في غيره لا بالذات " أقول : وهكذا في كل صفة كمالية للموجود بما هو موجود . ( سفع ( 3 / 1 ) ، 123 ، 7 )
- إنّ للّه تعالى أسماء هي مفاتيح الغيب ، ولها لوازم تسمّى بالأعيان الثابتة وكلّها في غيب الحقّ تعالى وحضرته العلمية ليست إلّا شؤونه وأسمائه الداخلة في الاسم الباطن ، فلمّا أراد الحقّ تعالى إيجادهم ليتّصفوا بالوجود في الظاهر كما اتّصفوا بالثبوت في الباطن أوجدهم بأسمائه الحسنى ، وأول مراتب إيجادهم إجمالا في الحضرة العلمية التي هي الروح الأول ، ليدخلوا تحت حكم الاسم الظاهر ويتجلّى عليهم أنواره ، فهو مظهر العلم الإلهي كما أنّه مظهر القدرة الإلهية ، وهذه الأعيان هي التي تعلق بها علم اللّه ، فأدركها على ما هي عليها ولوازمها وأحكامها ، وقد ظهر أنّ العلم في المرتبة الأحدية عين الذات مطلقا ، وفي الواحدية التي هي حضرة الأسماء والصفات صور مغايرة للذات ، نظير ما ذهب إليه الحكماء المشاؤون : أنّ علمه تعالى بالأشياء صور موجودة بعد