صراط اللّه
- أول ما اقتضت النفس هو تكميل نشأتها الحسية وتعمير هذا القالب ليكون مسكنا لقواها ومعسكرا لجنودها ، ثم إذا كملت هذه النشأة وعمّرت هذه المملكة وقويت جنودها أخذت في تحصيل نشأة ثانية ومنزل آخر فتوجّهت إلى عالم آخر هو أعلى من هذا العالم وأشرف وأقرب إلى بارئها ، فهذا معنى صراط اللّه الذي فطر عليه الخلق ، فالاستقامة عليها والتثبّت فيها هو الذي أراده اللّه من عباده وأرسل لأجله رسوله إليهم . ( شهر ، 291 ، 3 )
- اعلم أنّ أنبياء اللّه ورسله صراط اللّه في عالم الدنيا ؛ فمن تخلّف عنهم هوى إلى دار الجحيم ، فللصراط المستقيم وجهان :
أحدهما أدقّ من الشعر والآخر أحدّ من السيف ، فكذلك للنفوس الإنسانية وجهان وقوّتان علمية وعملية ، فمن كمل قوتيه باكتساب المعارف الإلهية والاقتناء بالعلوم الربانية والاجتناب عن محارم اللّه ومناهيه ، فقد تيسّر له العبور عن هذا الصراط كالبرق الخاطف . ( مظه ، 153 ، 9 )
صراط مستقيم
- إنّ الروح الإنسانية من جهة أن من شأنها أن يتجلّى فيها الأشياء مشابهة للمرآة ، لكن هذه الحالة في أول الفطرة للنفس أمر بالقوة لكل أحد من الناس ثم يصير بمزاولة الأعمال والأفعال خارجة من القوة إمّا إلى الفعل والكمال ، أو إلى البطلان والزوال . فإذا وقع الإنسان في السلوك العلمي والرياضة الدينيّة والتكاليف الشرعيّة التي هي بمنزلة تصقيل المرآة يخرج النفس من القوّة إلى الفعل ويصير عقلا بالفعل بعد ما كانت عقلا بالقوة ، فيكون كمرآة مجلوّة يتراءى فيها صور الموجودات على ما هي عليها ، وإذا لم يقع في هذه الطريقة وهي الصراط المستقيم المذكور في القرآن ولم يخرج ذاته في طريق الآخرة بالتصفية والرياضة والتطهير والتنوير من القوة إلى الفعل ، بل سلك مسلك الدنيا وصارت نفسه متدنّسة بدنس الشهوات ، متنجّسة برجس الفسوق والسيّئات ، بطلت فيه القوة الاستعداد ، لأن يصير منوّرة بأنوار العلوم ، ولأن يتجلّى فيها حقائق الأمثال والرسوم ولأن يكون عقلا ومعقولا بالفعل لا بالقوة . ( سري ، 9 ، 11 )
- اعلم أنّ الصراط المستقيم كما قيل الذي أوصلك إلى الجنّة هو صورة الهدى الذي أنشأته لنفسك ما دمت في عالم الطبيعة من الأعمال القلبية والأحوال ، والتحقيق إنّه عند كشف الغطاء ورفع الحجاب يظهر لك إنّ النفس الإنسانية السعيدة صورة صراط اللّه المستقيم ، وله حدود ومراتب إذا سلكه سالك متدرّجا على حدوده ومقاماته أوصله إلى جوار ربّه داخلا في الجنّة ، فهو في هذه الدار كسائر الأمور الأخروية غائبة عن الأبصار مستورة على الحواس ؛ فإذا انكشف الغطاء بالموت ورفع الحجاب عن عين قلبك تشاهده ، ويمدّ لك يوم القيامة كجسر محسوس على متن جهنّم أوله في الموقف وآخره على باب من أبواب الجنّة