صدور واحد
- إذا نظرت إلى مجموع العالم بما هو حقيقة واحدة حكمت بأنّه صدر عن الواحد الحقّ صدورا واحدا وجعلا بسيطا ، وإذا نظرت إلى معانيه المفصّلة واحدا واحدا تحكم بأنّ الصادر منه أولا هو أشرف أجزائه وأتمّ مقوّماته وهو العقل الأول إذ العقل هو كل أشياء كما مرّ ذكره ، ثم باقي الأجزاء واحدا فواحدا على ترتيب الأشرف فالأشرف والأتمّ فالأتمّ وهكذا إلى أدون الوجود وأضعفه ، فإذن تبيّن وتحقّق أنّ الإنسان الكبير والمجعول الأول شيء واحد بالذات والحقيقة فإذا قلت :
العقل الأول فكأنك قلت : مجموع العالم وإذا قلت مجموع العالم فكأنك قلت :
العقل الأول بلا اختلاف حيثية تقييدية ولا تعليلية إلّا مجرّد الإجمال والتفصيل .
( سفع ( 3 / 2 ) ، 117 ، 2 )
صراط
- الصراط طريق الحق ودين التوحيد الذي جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام ومتابعيهم عليه ، وجميع المقامات السنيّة وأحوال السالكين في السير إلى اللّه وفي اللّه راجعة إليه ، وعلم التوحيد أنفع العلوم وأنوارها وأشرفها وأوثقها ونقاوتها وصفوتها ، وهو المقصد الأقصى والمنزل الأعلى . ( سري ، 190 ، 3 )
- الصراط له وجهان : أحدهما أدقّ من الشعر والآخر أحدّ من السيف ، والانحراف عن الوجه الأول يوجب السقوط عن الفطرة
وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ
( المؤمنون :
74 ) والوقوف على الوجه الثاني يوجب الشقّ والقطع كما قيل وقف عليه شقّه .
( سفع ( 4 / 2 ) ، 285 ، 11 )
- هذا الصراط يظهر يوم القيامة للأبصار على قدر نور اليقين للمارّين عليه إلى الآخرة ، وبحسب شدّة نور يقينهم يكون قوّة سلوكهم وسرعة مشيهم عليه ؛ فيتفاوت درجات السعداء بتفاوت نور معرفتهم وقوّة يقينهم وإيمانهم ، لأنّ التقرّب إلى اللّه لا يمكن إلّا بالمعرفة واليقين ، والمعارف أنوار ، ولا يسعى المؤمنون إلى لقاء اللّه إلّا بقوّة أنوارهم وأنظارهم . ( سفع ( 4 / 2 ) ، 286 ، 2 )
- أمّا الصراط فقد علمت أنّه طريق الجنّة وإنّه يتّسع في حقّ البعض ويضيق في حقّ البعض ، وهو هاهنا معنى وفي الآخرة له صورة محسوسة ، والناس بعضهم سائرون على صراط المستقيم ، وبعضهم منحرفون عنه إلى طريق الجحيم . ( سفع ( 4 / 2 ) ، 315 ، 6 )
- اعلم إنّ الصراط لا يكون صراطا إلّا بمرور المارّة عليه . وقد مرّت الإشارة إلى أنّ الخلائق كلها متوجّهة شطر الحقّ توجّها غريزيّا وحركة جبلية نحو مسبّب الأسباب ، وفي هذه الحركة الجبلية لا يتصوّر في حقّهم الضلال والانحراف عمّا عيّن اللّه لكل منهم . واللّه آخذ بناصيته كما قال اللّه :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( هود : 56 ) .