وبالجملة إيثار العاجل الخسيس على الأجل الشريف وللحاضر الباطل على الغائب الحقّ . والشقاوة في القسم الأول من قبيل الأعدام ، كالموت للبدن والزمانة في الأعضاء من غير شعور بمؤلم . وأمّا في القسم الثاني فبإدراك مؤلم مؤذ كالعضو الذي به وجع شديد ، فاليد المفلوجة أسوأ حالا من يد الملسوعة ، والملسوعة أشدّ ألما من المفلوجة ، وذلك لأنّ الهيئات الانقهارية للنفس عن البدن قبيحة لها ، مؤلمة لجوهرها ، مضادّة لحقيقتها ، لأنّ حقيقتها يستدعي أن يكون لها هيئة استعلائية قهرية على البدن وقواه الشهوية والغضبية . ( مفغ ، 588 ، 18 )
شقاوة حقيقية
- أمّا الشقاوة الحقيقية فهي إمّا بحسب نقصان الغريزة عن إدراك المراتب العالية أو بحسب غلبة الهيئات البدنية من المعاصي الحسّية كالفسوق والمظالم ، وأمّا بحسب الجحود للحق بالآراء الباطلة والإنكار للحكم بالعقائد السفسطية أو المشاغبية وترجيح بعض المذاهب بالجدل والتقليد طلبا للشهرة والرئاسة وافتخارا بما يستحسنه الجمهور وتشوّقا إلى الكمال الوهمي بحفظ المنقول مع حرمان الوصول . فالشقاوة في القسم الأول من قبيل الأعدام الموت للبدن أو الزمانة في الأعضاء من غير شعور بمؤلم . وأمّا في القسم الثاني فبإدراك أمر مؤلم مؤذ ، كالعضو الذي به وجع شديد فإنّ هذه الهيئات الانقهارية قبيحة مؤلمة لجوهر النفس مضادّة لحقيقتها لأنّ حقيقتها يستدعي أن يكون لها هيئة استعلائية قهرية على البدن وقواه الشهوية والغضبية ، فإذا انقهرت عنها وانقادت وخدمت إيّاها في تحصيل مآربها الدنيّة كان ذلك موجب شقاوتها وتألّمها وحسرتها ، لكن كان إقبالها على البدن وشواغله ينسبها عن أمر عاقبتها ويشغلها سكر الطبيعة عن الإحساس بفضيحتها . ( شهر ، 252 ، 8 )
شقاوة عقلية
- إمّا الشقاوة العقلية التي بإزاء السعادة الحقيقية العقلية ، فهي إما بحسب الهيئات البدنية من المعاصي الحسّية الشهوية والغضبية ، وإما بحسب الجحود للحقّ وإنكار العلوم الحقّة الحكمية والعصبية باختيار بعض المذاهب والآراء ، مع محبّة الرئاسة وطلب الجاه والتشوّق إلى الكمال من دون الوصول إليه . ( مبع ، 366 ، 16 )
- أمّا القسم الثاني من الشقاوة العقلية ، فهو ، النقص الذاتي للشاعر بالعلوم والكمال العقلي في الدنيا والكاسب شوقا لنفسه إليه ثم تارك الجهد فيه ليكتسب العقل بالفعل اكتسابا ما ، فقدت منه القوّة الهيولانية وحصلت له فعلية الاعوجاج والصور الباطلة المخالفة للواقع ، أو القول على العصبية والجحد فهي الداء العليا التي أعيت أطباء العقول والأرواح عن علاجها . ( مبع ، 367 ، 12 )