كالمتوسط بين الواجب تعالى وبين ذلك الشيء الأول . فأرواح الأنبياء عليهم السلام كالوسائط بين نور الأنوار وبين أرواح العوام من الخلق في وصول نور الرحمة إلى الأرواح العامّية ، وهذا معنى الشفاعة . فالإيمان بشفاعة الأنبياء لأممهم واجب ، لأنّها - كما علمت - نور يشرق من الحضرة الإلهية على جواهر النبوّة ، وينتشر منها إلى كل جوهر استحكمت علاقة مناسبتها مع جوهر النبوّة لشدّة المحبّة والمتابعة ، وكثرة المواظبة على السنن ، وكثرة الذكر له بالصلاة عليه .
وجوهر النبوّة هو بعينه جوهر الروح القدسي الإلهي المسمّى عند الفلاسفة بالعقل الفعّال . ( تفسق ( 3 ) ، 344 ، 12 )
- اعلم أنّ الشفاعة - أي ما به يصير الشخص شفيعا - هو نور يشرق من الحضرة الإلهية على جواهر الوسائط بينه وبين النازلين في مهوى البعد والنقصان ، به يجبر النقائص الحاصلة من تضاعف الإمكان ، فالمتوسّطون في سلسلة البدو :
هم العقول الفعّالة ، ثم النفوس العمّالة ، ثم الطبائع النقّالة الكلّية . وفي سلسلة العود : الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم العلماء .
( تفسق ( 5 ) ، 124 ، 6 )
- الحقّ أنّ الشفاعة لا تثبت إلّا بعد تحقّق المناسبة الذاتية بين الشافع وما يشفع له ، وكون الشافع من الوسائط العقلية لا الوضعية ، فعلى هذا لا ينافي ثبوتها كلية الحكم المذكور ، إذ السلب من جهة والإيجاب من جهة أخرى كما علمت .
( تفسق ( 7 ) ، 348 ، 15 )
شفيع
- إنّ " الشفيع " من يكون يوم القيامة ومعنى " الإذن " عبارة عن جعله تعالى بعض الممكنات مخصوصا بالقرب إليه والتوسّط بينه وبين من ليس له هذه المرتبة ، وذلك التقديم والتأخير إنّما يكون لأجل استحقاق ذاتي وتفاوت جبلي حاصل لبعض الأعيان والماهيّات بالقياس إلى البعض بحسب الفيض الأقدس ، وهو ثبوتها في علم اللّه تعالى قبل وجودها الخارجي مع آثارها ولوازمها ، فقوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ
( البقرة : 255 ) استفهام إنكاري ، أي : لا يشفع عنده إلّا بأمره . ( تفسق ( 5 ) ، 127 ، 5 )
- إنّ الشفيع هو الواقع في سلسلة الإيجاد والعلّة الطولية دون الأمور الخسيسة الاتفاقية العرضية . ( تفسق ( 5 ) ، 127 ، 16 )
شقاوة
- أمّا الشقاوة الحقيقية فهي إمّا بحسب نقصان الغريزة عن إدراك المراتب العالية ، أو بحسب غلبة الهيئات الظلمانية الحاصلة من المعاصي الحسّية ، كالفسوق والمظالم ، وإمّا بحسب الجحود والعناد للحقّ بالآراء الباطلة والإنكار للحكمة بالعقائد السفسطية أو المشاغبية ، وترجيح بعض المذاهب بالجدل والتقليد طلبا للشهرة والرئاسة ، وافتخارا بما يستحسنه الجمهور ، وتشوّقا إلى الكمال الوهمي بحفظ المنقول مع حرمان الوصول ،