مدركاتها ليست أجساما كثيفة صلبة بل إمّا بخارات وإمّا أجسام رقيقة ، وليس كل عضو مناسبا لأن يكون موضوع الرائحة والطعم ؟ بل بعض الأعضاء كباطن الخيشوم للمشموم ، وجرم اللسان للمطعوم . وهذا بخلاف اللمس فإنّ جميع الأجسام سواءا كانت صلبة أو رخوة كثيفة أو لطيفة قابلة لأن تقوم بها قوّة اللمس ويتعلّق بها إدراكه ، فإنّ هذا الإدراك إنّما يحصل بمماسّة السطوح ومصاكّتها .
( سفع ( 4 / 1 ) ، 161 ، 4 )
سوء الخاتمة
- اعلم أنّ سوء الخاتمة قد يكون من جهة الاعتقادات ، وقد يكون من جهة الأعمال .
ومن يرى الأشياء كما هي عليها من غير جهل وعمى ، ويزجى طول عمره في طاعة اللّه من غير معصية ، فهو للآمن من سوء الخاتمة وخسران العاقبة . وهذا أعلى درجات العارفين . فإن كان لكل مؤمن يريد الآخرة ، ومقارنة الحقّ ، مستحيلا أو عسيرا ؛ فلابدّ عليه من الخوف والخشية ، ما على العارفين ، حتى يدوم بكاؤه ، ويطول حسرته وحزنه ونياحته ، كما يحكى من أحوال الأصفياء . وأما من استولى على نفسه حبّ الرياسة والتعصّبات النفسانية ، وغلب عليه الجحود والاستكبار ، وطلب الرياسة والتبسّط في الديار ، والتسلّط على الناس ، بادّعاء الفضيلة والاستظهار ؛ فهو متعرّض لسوء العاقبة ، عند ظهور ناصية ملك الموت .
فإنّ سبب سوء الخاتمة أمران : أحدها وهو الأدهى والأشدّ أن يغلب على القلب اعتقادات تعصبية ، غير حاصلة من طريق الكشف أو البرهان اليقيني الدائم ، بل من وجهة التقليد ، وطلب العلوّ والاستكبار .
فإن كل نازل إلى عقيدة تلقّفها من المجادلين ببضاعة عقولهم البحثية دون المتألّهين ببضاعتهم الكشفية ، في تهذيب قلوبهم ؛ فهو فاسد الدين فاقد طريق الكشف واليقين ، ولا محالة يطرأ عليه عند سكرات الموت وظهور أهواله : أما الشكّ ، وأما الجحود . وكذلك كل من خاض في البحث والتفكّر المحض ، من غير أن يجاوز من حدود أبحاث العقول إلى حدود أنوار المكاشفة التي تشرق في عالم الولاية والنبوّة . وثانيهما استيلاء حبّ الدنيا وطلب الجاه والمنزلة عند الناس .
وقلّما يخلوا عنهما أحد في العالم . إلّا أن استيلائهما داء عظيم ، لأنه يوجب ضعف الإيمان . ومهما ضعف الإيمان والاعتقاد باللّه وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ضعف حبّ اللّه . ( كصج ، 62 ، 4 )
سياسة
- في الفرق بين النبوّة والشريعة والسياسة :
نسبة النبوّة إلى الشريعة كنسبة الروح الذي فيه الروح والسياسة المجرّدة عن الشرع كجسد لا روح فيه . وقد ظنّ قوم من المتفلسفة : أنّه لا فرق بين الشريعة والسياسة . وبيّن أفلاطن الإلهي فساد قولهم في كتاب النواميس وأوضح الفرق