فيسيرا سيرا حثيثا حتى يرتقي من حضيض البعد والانفصال إلى أوج القرب والاتّصال ، فإذا فني عن ذاته عند الانمحاق ، وتنوّر بنور محبوبه في شدّة القرب والإشراق ، قال بلسان حاله هذا المقال :
وكان ما كان مما لست أذكره * فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر
ثم إذا رجع إلى ذاته وعاد إلى الصحو بعد المحو ، وسافر من الجمع إلى التفرقة والتفصيل ، وأخذ منصب الخلافة والرسالة في إرشاد السالكين للسبيل ، وبعث لهداية المتوطنين في الظلمات ، وتعليم النازلين في مراقد الجهالات ، قاربت المقابلة الوضعية الحسّية ، فانعكست إلى ذاته الأشعة الشمسية ، وأضاءت ذاته بأنوارها بعد ما كان مظلما ، وأنار جوهره بأشعّتها غبّ ما كان مغيما ، قائلا : " من رآني فقد رأى الشمس " وربما نطق :
إذا تغيّبت بدا * وإن بدا غيّبني
فلما نظر إلى ذاته فما رأى شيئا خاليا من أنوار الشمس وعطاياها ، فقال عند ذلك في غاية سكره : " أنا الشمس " لولا أن ثبّته اللّه بالقول الثابت مثل ما قال أبو بزيد والحلاج وغيرهما من أصحاب التجريد ، وسكارى شراب المحبة والتوحيد ، حيث كانوا أقمار سماء التفريد ، ومرائي شمس الحقيقة والتمجيد ، فلما أضاءت أراضي قلوبهم وصفحات وجوههم بنور الرب باحوا بالسرّ الخفي ، أما لغاية السكر والوجد - فكلام المجانين يطوى ولا يروى - وأمّا للاشتباه بين المرآة والمرئي ، أو لا ترى أنّ المرائي المتعدّدة المختلفة في الصقالة والكدورة والاستقامة والانحناء إذا تجلّت فيها صورة واحدة في حالة واحدة ظهرت فيها بحسبها ، ولو كان تجلّيها في المرائي حلولا أو قياما لما أمكن حلول شيء واحد في محال متعدّدة مختلفة ( تفسق ( 4 ) ، 116 ، 17 )
سكون
- الحركة من الأحوال التي تعرض للجسم الطبيعي بما هو هو ، والسكون مقابل له تقابل العدم والملكة . ( شهث ، 103 ، 17 )
- أمّا السكون فهو عدم الحركة عمّا من شأنه أن يتحرّك . فالتقابل بينهما تقابل الملكة والعدم ، فالموجود الذي هو بالفعل من جميع الوجوه لا يكون متحرّكا ولا ساكنا ، والموجود الذي له جهتا قوة وفعل لا يمكن خلوّه عنهما جميعا كالجسم .
( شهث ، 106 ، 3 )
سلب
- إذ قد تحقّق لديك أنّ السلب بما هو سلب ليس له معنى محصّل يثبت له أو به أو يرفع عنه أو به معنى على سبيل الوجوب والامتناع والإمكان ، فقد دريت أنّه لا يكون نسبة سلبيّة مكيّفة بضرورة أو دوام أو فعلية أو إمكان أو غير ذلك ، بل إنّما يؤول معنى ضرورية النسبة السلبيّة إلى امتناع النسبة الإيجابية التي هي نقيضها ، ومعنى دوام النسبة السلبيّة سلب تلك النسبة الإيجابية في كل وقت وقت ؛ على أن يعتبر ذلك في الإيجاب ، ويجعل السلب قطعا له