عبادة ، وإن كان ذلك فلم يمتنع أن يأمر اللّه تعالى ملائكته بذلك إظهارا لرفعته وإشعارا بكرامته . وأيضا - السلطان قد يأمر لبعض مقرّبيه من عبيده أن يخدم ويطيع رجلا فقيرا أو ضعيفا ، وهم يفعلون ذلك ويخدمونه ، ويرجع ما فعلوه في الحقيقة إلى خدمة السلطان وطاعته ، فسجود الملائكة لآدم عليه السلام كان في الحقيقة سجودا للّه وطاعة لأمره .
( تفسق ( 3 ) ، 9 ، 10 )
سجود
- السجود في الأصل تذلّل وانقياد مع تطأطأ الرأس . يقال : سجد البعير وأسجد : طأطأ رأسه لراكبه . قال الشاعر : " وقلن له أسجد لليلى فأسجدا " وقال : " ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر " أي تلك الجبال الصغار كانت مذلّلة لحوافر الخيل ، ومنه قوله تعالى :
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
( الرحمن : 6 ) . وفي الشراع وضع الجبهة على الأرض قصدا للعبادة . والمراد منه ههنا إمّا المعنى اللغوي ، وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما له كسجود إخوة يوسف وأبواه له ، أو التذلّل والانقياد بالسعي في تحصيل ما ينوط به أمور معاشهم ويتمّ به أحوال كمالهم بحسب معادهم ، لأنّهم وسائط تدبيرات هذا العالم ، وتحريكات الأجرام واستحالاتها وانقلاباتها لأن يتكوّن منها الكائنات التي غايتها خلقة الإنسان ، لأنّ من أفراده عرفاء الرحمن .
وإمّا المعنى الشرعي : فههنا يحتمل السجود وجوها ثلاثة : إمّا أن يكون المسجود له هو اللّه تعالى . فحينئذ إمّا أن جعل آدم قبلة لسجودهم كالكعبة تفخيما لشأنه . وإمّا أن كان آدم سببا لوجوب السجدة ، فكأنّه تعالى لمّا خلقه بحيث أن كان أنموذجا للمبدعات كلها - بل للموجودات بأسرها - وجعله نسخة مختصرة لما في العالم الروحاني والعالم الجسماني ، وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدّر لهم من الكمالات الفعلية ، وفاض عليهم من الإشراقات النورية من جهة تحريكاتهم الكلية ، ووصلة إلى ظهور ما صدر عنهم من الخيرات وترتّب عليهم من وجود الأكوان الصورية والحوادث الأرضية بواسطة الحركات السماوية ، فأمروا بالسجود تذلّلا لمّا رأوا من عظيم قدرة اللّه وباهر آياته في نظم العالم من الأعلى إلى الأسفل ، ثم من الأسفل إلى الأعلى بواسطة الإنسان الذي به ترتقي سلسلة الوجود - الهابط إلى أسفل السافلين - إلى أعلى عليّين ، وشكرا لما أنعم اللّه عليهم بواسطته . . . وإمّا أن يكون المسجود هو الإنسان ، لكن لا من حيث هويّته الإمكانية ليلزم الإشراك ، بل من حيث بلوغه إلى مقام القرب الإلهي ، ورجوعه وحشره إلى الحضرة الإلهية ، وفنائه عن ذاته ، وبقائه ببقاء اللّه لا ببقاء غيره ، ففي هذا المقام يصير الروح الإنساني كمرآة مصقولة لا لون فيه ، انعكس عليه وجه اللّه الباقي على نهج التجلّي - لا على وجه الحلول والاتّحاد ،