فارغة عن شغل الحواس ؛ لأنّها لا يزال مشغولة بالتفكّر فيما يورده الحواس عليها ، فإذا وجدت فرصة الفراغ وارتفعت عنها الموانع ، استعدّت للاتّصال بالجواهر الروحانية الشريفة العقلية ، التي فيها نقوش جميع الموجودات كلها المعبّرة عنها في الشرع باللوح المحفوظ والجواهر النفسية والقوى الانطباعية من البرازخ العلوية ، التي فيها صور الشخصيات المادية والجزئيات الجسمانية ؛ فإذا اتّصلت بتلك الجواهر قبلت ما فيها من النقوش لا سيّما ما ناسب أغراض النفس ويكون مهمّا لها ، فحينئذ إذا ارتفع الحجاب بالنوم الذي هو أخ الموت قليلا يظهر في مرآة النفس شيئا من النقوش والصور التي في تلك المرائي مما يناسبها ويحاذيها ، فإن كانت تلك الصور جزئية وبقيت في النفس بحفظ الحافظة إيّاها على وجهها ولم يتصرّف فيه القوّة المتخيّلة ، فيصدق هذه الرؤيا ، وإن كانت المتخيّلة غالبة أو إدراك النفس للصورة ضعيفا ، صارت المتخيّلة بطبعها إلى تبديل ما رأته النفس بمثال كتبديل العلم باللبن وتبديل العدو بالحيّة وتبديل الملك بالبحر والجبل . ( مظه ، 172 ، 14 ) - قد عرفت سبب الاطّلاع بالغيوب في النوم من ركود الحواس واتّصال النفس بالجواهر العقلية والنفسية وقبولها من تلك المبادي ، صورا يناسبها واهتمّت بها ويمكن أن يكون ذلك لبعض النفوس في اليقظة لوسع قوّتها بالنظر إلى جانب العلو وجانب السفل جميعا ، كما يقوى بعض النفوس ليجمع في حالة واحدة الاشتغال بعدّة أمور ، فيكتب ويتكلّم ويسمع ؛ فمثل هذه النفوس التي لها اقتدار ما على ضبط الجانبين ، يجوز أن يفتر عنها في بعض الأحوال شغل الحواس ويطلع على عالم الغيب ، فيظهر لها منه بعض الأمور كالبرق الخاطف وهذا ضرب من النبوّة ، ثم إن ضعفت المتخيّلة بقي في الحفظ ما انكشف له من الغيب بعينه ، كان وحيا صريحا وإن قويت المتخيّلة واشتغلت بطبيعة المحاكاة ، فيكون هذا الوحي مفتقرا إلى التأويل ، كما يفتقر الرؤيا إلى التعبير . ( مظه ، 175 ، 16 )
رؤية
- إنّ النفس كلّما يدركها في عالمها وصقع قواها الباطنة على سبيل التخيّل ، لا شبهة لأحد في أنها يتفاوت ظهورا وخفاءا تفاوتا يذهب به في حدود الخفاء إلى حدّ الذهول والنسيان ، وفي حدود الظهور والجلاء إلى حدّ الرؤية والمشاهدة . فكما يمكن أن يذهب في الخفاء من حدّ يسمّى بالتخيّل إلى غاية يسمّى بالذهول ، فكذلك يمكن أن يبلغ في الظهور من حدّ التخيّل إلى حدّ يسمّى بالرؤية . والرؤية ليس من شرطها أن يكون بالعين ، ولا المرئي إنّما يسمّى مرئيّا لكونه يحصل بسبب العين ، بل لأنّه غاية انكشاف الشيء ، فإذا وقعت غاية الانكشاف بقوة أخرى ، كانت حقيقة الرؤية بحالها . فالصور التي يراها النائمون في عموم أوقات نومهم ليست هي بعينها موجودا في المواد الخارجية ، وليست حاصلة أيضا في القوى المنطبعة الدماغية ،