القسم الأول عالم العقل وعالم الأفلاك ، إذ هما مبرّآن من الشّرور والهلاك ، الناشئان من التضادّ ، وإذ لا تضادّ فيهما فلا فساد ، ومثال القسم الآخر عالم العناصر والأركان ، وعرضة الهلاك والبطلان . وذلك إنّما يكون لأجل النفع في أشياء أخر ، لا يهملها خالق القوى والقدر . إذ لو لم يخلق لخلق سربال الوجود ، وقصر رداء الجود ، وبقي في كتم العدم عوالم كثيرة ، ونفائس جمّة غفيرة .
( ورق ، 74 ، 5 )
خير مطلق
- الخير المطلق الذي يتشوّقه كل الأشياء ويتمّ به أو بما يفيض منه ذواتها وكمالات ذواتها هو القيّوم الواجب بالذات ( جلّ ذكره ) لأنّه وجود مطلق لا نقص فيه ونور محض وبهاء محض وتام وفوق التمام ، فيعشقه ويتشوّقه كل ممكن بطباع إمكانه وكل موجود دونه بطباع نقصانه فيخضع له كل معلول بقوام معلوليته وفقره . ( سفع ( 3 / 2 ) ، 58 ، 6 )
- الذي كله خير مطلق لا شرّ فيه أصلا هي أمور وقعت تامة الوجود ، لا يفوتها شيء مما ينبغي أن يكون لها بالإمكان العام إلّا وقد حصل لها في فطرتها الأصلية الأولية ولا يخالطها ما لا ينبغي لها لا في أوّل الوجود ولا بعده لأنّها بالفعل من جميع الوجوه ، وهي كالعقول المقدّسة وكلمات اللّه التامات التي لا تبيد ولا تنقص ويتلوها من حزبها النفوس السماوية فإنّها وإن كان فيها ما بالقوّة إلّا أنّها مستكفية بذاتها ، ومقوّم ذاتها في خروجها من القوّة إلى الفعل غير ممنوعة عن البلوغ من حدّ النقص إلى الكمال الممكن ، وكذلك ضرب من النفوس الكاملة الإنسانية إذا لحقت بالسابقين المقرّبين فهي أيضا من هذا القسم ، فيجب وجود هذا القسم من المبدأ الأعلى لأجل كونه خيرا محضا يفعل الخير لا محالة وقد علمت - مما سبق من البراهين - وجود العالم العقلي ، ومن قاعدة " إمكان الأشرف والأخسّ " وجود الأشرف قبل وجود الأخسّ .
( سفع ( 3 / 2 ) ، 68 ، 13 )
خير وشرّ
- اعلم أنّ الخير والشرّ يقالان على أربعة أوجه : فمنها ما ينسب إلى السماويات من صعود الكواكب ونحوسها . ومنها ما ينسب إلى الأمور الطبيعية من الكون والفساد وما يلحق الأمزجة الحيوانية من الآلام والأوجاع ، ومنها ما ينسب إلى ما في طباع الأحياء العنصرية من التآلف والتنافر والتودّد والتباغض والمحبّة والخصومة على ما في جبلّتها من التنازع والتغالب ، ومنها ما ينسب إلى النفوس التي تحت الأوامر والنواهي في أحكام الناموس الإلهي وما يلحقها من السعادة والشقاوة الآجلتين والعاجلتين جميعا . ( سفع ( 3 / 2 ) ، 94 ، 4 ) - جلّ الباري عن قصد الشرور ، بل قصد بالإيجاد الخير المنشور ، فإن تبع شرّ قليل بالاتّفاق ، فلأنّ إيصال الخير لا يدوم إلّا