ومكنه في مسند الخلافة بإلقاء مقادير الأمور إليه وإحالة حكم الجمهور عليه .
فالمقصود من وجود العالم أن يوجد الإنسان الذي هو خليفة اللّه في العالم ، فالغرض من الأركان حصول النباتات ، ومن النباتات حصول الحيوانات ، ومن الحيوانات حصول الإنسان ، ومن الإنسان حصول الأرواح ، ومن الأرواح الناطقة حصول خليفة اللّه في الأرض
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
( البقرة : 30 ) ، فالنبي لا بدّ أن يكون آخذا من اللّه متعلّما من لدنه معطيا لعباده وهاديا لهم ، فهو واسطة بين العالمين سمعا من جانب ولسانا إلى جانب ، وهكذا حال سفراء اللّه تعالى إلى عباده وشفعاء يوم تناده ، فلقلب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بابان مفتوحان ، باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو عالم اللوح المحفوظ وعالم الملائكة العلمية والعملية . . . وباب مفتوح إلى القوى المدركة ليطالع ما في الحواس ، ليطلع على سوانح مهمّات الخلق ؛ فهذا النبي يجب أن يلزم الخلائق في شرعه الطاعات والعبادات ليسوقهم بالتعويد عن مقام الحيوانية إلى مقام الملكية ، فإنّ الأنبياء رؤوس القوافل . ( مظه ، 171 ، 11 )
خلافة إلهية
- في تحقيق الخلافة الإلهية : اعلم أنه لما اقتضى حكم الإلهية الجامعة لجميع الكمالات المشتملة على الأسماء الحسنى والصفات العليا بسط مملكة الإيجاد والرحمة ونشر لواء القدرة والحكمة ، بإظهار الممكنات وإيجاد المكوّنات وخلق الخلائق وتسخير الأمور وتدبيرها ، وكان مباشرة هذا الأمر من الذات الأحديّة القديمة بغير واسطة بعيدة جدّا ، لبعد المناسبة بين عزّة القدم وذلّة الحدوث ، فقضى اللّه سبحانه بتخليف نائب ينوب عنه في التصرّف والولاية والإيجاد والحفظ والرعاية ، فلا محالة له وجه إلى القديم يستمدّ من الحق سبحانه ، ووجه إلى الحدوث يمدّ به الخلق ، فجعل على صورته خليفة يخلف عنه في التصرّف ، وخلع عليه خلع جميع أسمائه وصفاته ومكّنه في مسند الخلافة بإلقاء مقادير الأمور إليه وإحالة حكم الجمهور عليه وتنفيذ تصرّفاته في خزائن ملكه وملكوته ، وتسخير الخلائق لحكمه وجبروته ، وجعل له بحكم مظهريّة إسميّة الظاهر والباطن حقيقة باطنة وصورة ظاهرة . ليتمكّن بهما من التصرّف في الملك والملكوت .
فالمقصود من وجود العالم وإيجاد الأشياء فيه شيئا فشيئا ، أن يوجد الإنسان الذي هو خليفة اللّه في العالم ، فالغرض من الأركان أن يحصل منها النباتات ، والغرض من النباتات أن يحصل منها الحيوانات ، ومن الحيوانات أن يوجد الأجساد البشرية ومن الأجساد البشرية أن يحصل منها الأرواح الناطقة ، ومن الأرواح الناطقة أن يحصل خليفة اللّه في أرضه ، كما دلّ عليه بقوله :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
( البقرة :
30 ) ، فحقيقته الباطنية هي الروح الأعظم ،