وجودها عن النفس الإنسانية ومثولها بين يديها في غير هذا العالم بواسطة مظهر لها كالجليدية والمرآة والخيال وغيرها من غير حلولها فيه . وأمّا العقليات فبارتقاء النفس إليها واتّصالها بها من غير حلولها في النفس ، وتلك العقليات في ذاتها شخصية وباعتبار ماهيّاتها كلّية صادقة على كثيرين من أشخاص أصنافها النوعية . وحصول الماهيّات والمفهومات العقلية ووقوعها مع أنحاء الوجودات حصول تبعي ووقوع عكسي ، وقوع ما يتراءى من الأمثلة في الأشياء الصيقلية الشبيهة بالوجود في الصفاء والبساطة وعدم الاختلاف ، من غير أن يحكم على تلك الأشباح بأنّها في ذاتها جواهر أو أعراض ، فكما أنّ ما يتخيّل من صورة الإنسان في المرآة ليس إنسانا موجودا بالحقيقة ، بل وجوده شبح لوجود الإنسان متحقّق بتحقّقه بالعرض ، فكذلك ما يقع في الذهن من مفهوم الحيوان والنبات والحركة والحرارة وغيرها هي مفهومات تلك الأشياء ومعانيها لا ذواتها وحقائقها ؛ ومفهوم كل شيء لا يلزم أن يكون فردا له . وبالجملة يحصل للنفس الإنسانية حين موافاتها الموجودات الخارجيّة لأجل صقالتها وتجرّدها عن المواد صور عقلية وخيالية وحسّية ، كما يحصل في المرآة أشباح تلك الأشياء وخيالاتها ؛ والفرق بين الحصولين : أنّ الحصول في المرآة بضرب شبيه بالقبول ، وفي النفس بضرب من الفعل . ( سفع ( 1 / 1 ) ، 291 ، 10 )
حصول شيء لشيء
- ليس من شرط حصول شيء لشيء أن يكون حالّا فيه وصفا له بل ربّما يكون الشيء حاصلا لشيء من دون قيامه به بنحو الحلول والوصفية ، كما أنّ صور جميع الموجودات حاصلة للباري حصولا أشدّ من حصولها لنفسها أو لقابلها كما ستعلم في مباحث العلم ، وليس قيامها به تعالى قياما حلوليّا ناعتيّا . وكل صورة حاصلة لموجود مجرّد عن المادة بأي نحو كان فهي مناط عالمية ذلك المجرّد بها سواءا كانت قائمة بذاته أو لا ، ومناط عالميّة الشيء بالشيء حصول صورة ذلك الشيء له سواءا كانت الصورة عين الشيء العالم فيكون حصولها حصوله كعلم النفس بذاتها أو غيره فيكون حصولها إمّا فيه وذلك إذا كان الشيء قابلا لها ، وإمّا عنه وذلك إذا كان فاعلا لها . فالحصول للشيء المجرّد الذي هو عبارة عن العالميّة أعمّ من حصول نفسه أو الحصول فيه أو الحصول له ، فللنفس الإنسانية في ذاتها عالم خاص بها من الجواهر والأعراض المفارقة والمادية ، والأفلاك المتحرّكة والساكنة ، والعناصر والمركّبات وسائر الحقائق يشاهدها بنفس حصولاتها لها لا بحصولات أخرى وإلّا يتسلسل . وذلك لأنّ الباري تعالى خلّاق الموجودات المبدعة والكائنة ، وخلق النفس الإنسانية مثالا لذاته وصفاته وأفعاله ، فإنّه تعالى منزّه عن المثل لا عن المثال ، فخلق النفس مثالا له ذاتا وصفاتا وأفعالا ليكون