جنس وإن لم يحمل عليها بما هو مادة ، فعلى رأيهم يلزم كون النفس جسما بأحد الوجهين المذكورين مع أنّهم قائلون بتجرّد الناطقة حدوثا وبقاءا ، لا كما ذهبنا إليه من كونها جسمانية الحدوث روحانية البقاء . فهذا أحد البراهين على ثبوت الاشتداد في مقولة الجوهر كما في مقولة الكيف والكمّ ، وبه ينحلّ كثير من الإشكالات الواردة في حدوث النفس وبقائها بعد الطبيعة . ( سفع ( 4 / 1 ) ، 346 ، 2 )
- في حدوث النفوس الإنسانية : اعلم أنّ نفس الإنسان جسمانية الحدوث روحانية البقاء إذا استكملت وخرجت من القوّة إلى الفعل . والبرهان عليه : إنّ كل مجرّد عن المادة لا يلحقها عارض قريب لما مرّ من أنّ جهة القوّة والاستعداد راجعة إلى أمر هو بذاته قوّة صرفة ويتحصّل بالصور المقوّمة له وما هو إلّا الهيولى الجرمانية ، فيلزم من فرض تجرّد النفس عن المادة اقترانها بها ، هذا خلف وستعلم بطلان التناسخ فإذن يكون حادثة . وهذا البرهان غير مبني على أنّ النفوس الإنسانية متّحدة النوع فيكون أولى مما قيل : إنّها لو كانت موجودة قبل الأبدان لم يكن متكثّرة ولا واحدة إمّا الأول فلأنّ الامتياز فيما له حدّ نوعي إمّا بالمواد أو بعوارضها أو بالفاعل أو بالغاية والعلل منحصرة في هذه والنفوس صورتها ذاتها لاتّحادها في النوع وفاعلها أمر واحد وغايتها الاتّصال به والتشبّه له فيكون تكثّرها إمّا بالمادة أو بما هو في حكمها كالأبدان وقد فرضت مفارقة هذا خلف . وأمّا الثاني فلأنّ قبول الكثرة بعد الوحدة من خواص المقادير وعوارضها والنفس ليست كذلك . ( شهر ، 221 ، 11 )
حدوث وتجدّد
- إنّ للنفس الإنسانيّة مقامات ونشآت ذاتيّة ، بعضها في عالم الأمر والتدبير ،
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
( الإسراء : الآية 85 ) ، وبعضها في عالم الخلق والتصوير ،
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
( الأعراف : 11 ) . فالحدوث والتجدّد إنما يطرءان لبعض نشآتها .
فنقول : لمّا كانت للنفس ترقيات وتحوّلات من نشأة أولى إلى نشأة ثانية وإلى ما بعدها ؛ فإذا ترقّت وتحوّلت من عالم الخلق إلى عالم الأمر يصير وجوده وجودا عقليّا إلهيّا لا تحتاج حينئذ إلى البدن وأحواله واستعداده . فزوال استعداد البدن إيّاها لا يضرّها دواما وبقاء ، إذ ليس وجودها الحدوثي هو وجودها البقائي ، لأنّ ذلك مادّي وهذا مفارق عن المادة فليس حال النفس في أول حدوثها كحالها عند الاستكمال ومصيرها إلى العقل الفعّال ، فهي بالحقيقة جسمانية الحدوث وروحانية البقاء . ومثالها كمثال الطفل وحاجته إلى الرحم أولا ، واستغناؤه عنه أخيرا ، وكمثال الصيد والحاجة في اصطياده إلى الشبكة أولا ، والاستغناء في بقائه عنها أخيرا . ففساد الرحم والشبكة لا